‏إظهار الرسائل ذات التسميات اجتماع. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اجتماع. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 4 أكتوبر 2013

الهيئة وكونفوشيوس..!!

من جديد، الهيئة تطغو على ساحة الأحداث متفوقة على جميع أصداء الصراعات المستمرة بين التيارين الرئيسيين في الساحة السعودية. هذه المرة، سقطت الهيئة في خطأ كبير بصرعها، كما يدعى عليها، شابين بعد مطاردة هوليودية أمام أعين آلاف الشهود. ومما زاد القضية تعقيدا، أن الفقيدان ينتميان لأحد أكبر القبائل بالمملكة وبالتالي وضعت المسئولين في حرج بخيارات محدودة كل منها أكثر مرارة من الأخر.

وكما هي المعركة الفكرية المستمرة بين التيارين الأخلاقي التقاليدي والتيار الأخلاقي الإنساني الحديث، تستخدم الهيئة كأداة للتقاليديين في فرض رؤيتهم الخاصة للأخلاق بينما يستغل التيار المعادي هفواتها في تضخيم أخطاءها لشن هجمات مضادة من أجل مكتسبات فكرية تثبت رجعية الفكر المضاد.

لكن الهيئة، حسب رؤية بعض الأطراف الأخرى في هذا الميزان، كانت دائما أداة سلبية في محصلتها بهذا الصراع. فكما يدعون، القائمون عليها رجال في الغالب محدودي الفكر مكشوفي النوايا بتحيز ظاهر لعين الغافل قبل المتمعن. ومما زاد أعمالهم سلبية، محاولاتهم البائسة لتقويض سلطة السلطة الشرعية في صراعها مع التطرف الفكري من خلال حملة الإعتقالات وحملة "فكوا العاني" المضادة. فكان نهج الهيئة مؤخرا، مقنن في محاولة التشدد في فرض الفكر التقليدي على العامة لتأجيج رفض الشعب للسلطة بالمجمل.

تاريخيا، كان لغالب الأمم، شرط أخلاقية تقوم بفرض معايير أخلاقية وتقاليدية على عامة الشعب. حيث كان بالصين قبل الميلاد رجال يجوبون الأسواق لإلزام المتسوقين بتعاليم وتقاليد كونفوشيوس. وفي حقبة اليهود المعاصرين للمسيح، كان المعمدانيين يقومون بنفس الدور. فالإلزام الأخلاقي، حسب نظرة التيار السائد، ليس جديد على التاريخ البشري ولم نكن نحن أول من اتخذه. ولكننا الدولة المعاصرة الوحيدة التي تقوم به من خلال جهاز خاص مستقل عن السلطة الأمنية. ففي الدول الغربية، تدخل التجاوزات الأخلاقية من ضمن المخالفات التي توجب المعاقبة ولكن يقوم بضبطها الجهاز الأمني العادي. أما في مصر وبعض الدول الشرقية، فهناك جهاز خاص مثل شرطة الآداب يتبع للشرطة بعمل هذه الأدوار.

لنكون منصفين، هناك تقصير في عمل الشرطة في حفظ الأمن. ومن الرمي الجزاف، تجاهل منفعة وجود مثل جهاز الهيئة في المساعدة في قضايا الإبتزاز والتحرش الجنسي. ولكن يجب أن لا نضخم هذه المسئوليات ونسميها إنجازات فقط لقصور جهاز الشرطة في ضبط هذه الجرائم. فلو كانت فعالية الشرطة كما هي في الدول الأخرى، لما كان هذه الحاجة الوهمية لجهاز مثل الهيئة الموقرة.

وحتى لا نعيد إختراع العجلة، أليس من الأجدى لنا المطالبة بتطوير جهاز الشرطة لسد تقصيرها بالجرائم الأخلاقية حسب معيار محدد من قبل الدولة والقانون لا حسب معايير تيار فكري يقوده رجال يخدمون فكرهم بالدرجة الأولى ويكون الضحايا بضع أرواح عامة..!؟

الجمعة، 24 أغسطس 2012

الموت البطيء


تخيلت يوماً مدينة جميع سكانها حكماء.  خضراء الأرض بيضاء السماء. نظيفة كبيت السلطان،  هادئة كصباح الجمعة. مدينة سادها وتسيدها السلام. لا شقاق ولا نفاق. لا فساد يأكل به العالم حق الغافل. لا سادة ولا قطيع. الكل مستقل بذاته يدرك دوره دون إشراف. لا قانون يفرض،  لأن الفرض لم يكن ليكون لولا قصر الناظرين.

كان زمنهم بلا ملامح تميزه. أصبح المال بلا قيمة لأنه لم يكن ليجلب لهم السعادة كما يظن. بعد فترة،  شح الكلام بينهم حتى ندر ثم اندثر. غدت لغتهم نظرات العيون وتعابير الوجه. خفت شغفهم بالمستقبل حين وعوا الماضي. رتابة حياتهم لم يكسرها شهوات حيوانية أشبعوها ولم يشبعوها.

خف الحياء رويداً رويداً.  لم الحياء وقد فهموا وتفهموا حاجاتهم ورغباتهم وشهواتهم!! فهموا أنهم جميعاً بشر له نفس الملامح من الداخل ولو إختلف خارجهم. عدم إكتراثهم لتمايز الوجوه والأجسام عظم حتى أصبحت عيونهم لا ترى إختلاف ملامحهم. أصبحوا جميعاً متشابهين. نسخ كربونية بل آلية أنتجها مصنع بشري. كان إنسانهم وإنسانيتهم تضمحل كلما تقدم زمانهم. فلا حاجة من جديد للتمييز بينهم فهم متماثلين من جميع الوجوه.

كانوا مجتمع فأصبحوا مجمع.. تقدم العمر بأقدمهم، ولم يكترث كثيراً مجمعهم لأنها نواميس الكون. توفوا واحد بعد الأخر.. لم يكن ليفاجأ أحداً منهم،  فقد كانوا يعون ذلك من قبل. الحزن أصبح سخيفاً لأنه حالة عقلية لا تتميز كثيراً عن ما يسمى "سعادة". لا حزن ولا سعادة.. لا غضب ولا ضحك.. لا أمل يوقد رغبة الحياة..

أصبح لا معنى للحكمة لأن لا حكمة تميزها. وجدوا الحكمة أيضاً نسبية!! لم يكن هناك تفاوت،  فأصبحت حكمة يومهم سطحية. أصبحت الفلسفة مكررة لا تحمل معاني جديدة. فقط إعادة صياغة لما يعرفه الجميع.

تملكتهم حكمتهم فأوفتهم حقوقهم،  فأوفوها حقها ليروا "الموت البطيء" أحكم المآل..

الجمعة، 10 أغسطس 2012

كبريت الشهرة في مسرح العرائس..

من الطبيعي استمتاعنا بدراما التغريد بهذا الشغف. فالتويتر فتح أبواب العقل المغلقة لعقود. لذا أرى أن سيكون التغيير كبير والخطوط المتجاوزة من الصعب الرجوع لها حتى لو أردنا. لكن البعض انجرفوا مع تيار الشهرة بدون أطواق نجاة. أنشتهم سكرة الأضواء فتمادوا ولم ينظروا إلى اليابسة من وراءهم.

ضحاياها، تقتات شهرتهم على الشذوذ الفكري من خلال نزوات مثل "سورة التفاح" أو حصر الجنة بأهله ومن والاهم. شهرة البعض منهم مصطنعة عن طريق الإعلام الزائف المدفوع وتغذى بالشطحات الساخرة. وأخرون لم يملكوا المادة فختاروا حرق أنفسهم ليضيئوها. لذا ولابد أن تكون نهايتهم كارثية على المستوى الشخصي.

عدم تزامن تنامي الحكمة الفردية مع قوة الضوء المسلط يحرق ولو بعد حين. فالأيدلوجيات ماكرة ناكرة لا رأفة فيما يعوق تقدمها. لذا يكون بعض فرسانها دمى في مسرح العرائس. يأتي يوماً ويرموا للنسيان ويستعاض عنهم بدمى جديدة. فالجمهور يهوى التغيير والمهم من هو خلف الكواليس لا من يحرك بخيوطهم الخفية.

أتفهم أن مثل هذه الفكرة شاذة في نظر مريدي الأيدلوجية التابعة لهم ولأمثالهم. وأتفهم عدم تفهمهم لأنهم يسمعون بآذان غيرهم. ولن يفيد النقاش محاجتهم بالنظر لكثرة إعتذاراتهم بعد كل زفرة وكأنه فكر آلي متعارف عليه. ولكن لقننا التاريخ أن الشهرة بدون حكمة كافية، مثل شعلة كبريت عود الثقاب.. "متوهجة وآنية وتحرق العود بسرعة"..

الاثنين، 6 أغسطس 2012

بيت الحكمة


يحكى أن رجلا بلغ من الحكمة مبلغ ما أمضى من السنين الطوال.  رزق بأربع أبناء على مدى أعوام متباعدة متدرجة. تمثلوا بحكمة أبيهم ونضوجها المرحلي. فتفاوتت طرقهم بتفاوت دعوتهم. 

كان الأول الأقرب لقلب أبيهم.  كان همه ومراده وعزه وعزوته. كل ما عداه يهون عنده وكل ما يخالف سمو مستقبله ملعون ومطرد من فكره. لكنه أبي عنيد.  زامن ترعرع حكمة أبيه فلم يسلم له طوعاً. تصادم معه فكان الشقاق أغلب مآل النزاع. بعد سنين من الكر والفر،  وصلوا لطريق مسدود. فقد تكسرت أغلب مجاديف السلم فلزم تغيير العتاد من العناد. 

كان الثاني هضبة ليس بها كثير من الجبال.  مسالم في العقل أسد بالكر. ينطق بما يفكر ولا يضمر إلا عند القتال.  انقاد بارتياح لحكمة أبيه إلا قليل لا يذكر.  لم يستفهم إلا لكي يفهم. لم يجادله إن نطق أو غضب. فكان ينصاع إذا أمر ويأخذ بأفضل الأمرين لأبيه إذا خير. 

إشتد أزر الأب بولده البار.  فصار حجته على بكره. فأخذ يجادله من جديد ولكن بعزم ودعم. بدأ البكر بتنازلات لم تكن كافية لأن يكون تحت مظلة حكمة أبيه. ولكن الأب إزداد حكمة فوق حكمة فاستمر بعزيمة محب شديد البأس وأكثر قوة مع مرور الزمن. 
الثالث كان ذو فكر مختلط. لم يحضر بداية عراك الكبير ووعى على مفخرة توافق البار. كان يبحث عن رضى الأب ايماناً أحياناً ومجاراة وغايات لأخرى. كانت كثرته من قوته الجسدية فمال بالكفة لما ليس للبكر طاقة.
سلم البكر لرؤية خطها أباه بعد أن أعيته كرات حكمة كانت قد غابت عن استيعابه. فرح الأب كفرح من وجد إبنه حي بعد سنين من الضياع. وعى البكر حكمة أباه حين إنتشرت وبات من حولهم يقدرون بيت الحكمة وأهله. عاشوا زمن لم يطل حتى ودعهم أباهم. 

رغم عدله بين أبناءه في حياته،  فقد أوصى بزمام الحكمة للبكر الحبيب. كعادته،  لم يجادل البار سوى ساعة من نهار. تنازعت الرغبات بالمختلط حتى ظهرت على شفاهه. يثور حين ويجادل حين. ولكن البكريين أقوى عزيمة رغم أنه أقوى منهما جسدا. فلم يك رضوخه سوى مسألة وقت عصيب.

ولد الرابع بعد وفاة الحكيم بقليل. وترعرع يستسقي الحكمة من أخواه البكريين ونزر يسير من المختلط. نظر لهم بنظرة الابن لوالده دون تحدي في منشئ الحكمة لأن مصدرها أباه الذي لم يراه. فكانت القداسة لها ولمن يحملها. حمل هم فهمها وصيانتها وتحقيقها وتأصيلها. وحمل إخوانه رعايتها فهي نورهم الذي يضيئ لهم دروبهم بين بيوت جيرانهم.
ورث أبناء البكر القيادة فمضت بهم في طريق ولا بد أن يطرقوه. اختلفوا كما اختلف أبيهم على أبيه. كانوا فسطاطين ثم أكثر فأكثر. قدس البعض آباءهم وتبع أخرون من سبقهم. ثم اختلف كل بعض فيما بينهم،  ففهمهم أصبح خلافهم رغم إتفاقهم على أصل ما يختلفون عليه. تداخلت الرغبات الفردية فشتتت غاية حكمة أبيهم في رفع شأنهم. داموا سنين مقدرين أو مقدسين في عيون أبناء عمومتهم. 

ولكن لكل حكمة عمر مهما كانت سديدة أو مديدة. عمر ولا بد له من أن يشيخ لأن الزمان داء ليس له دواء ولو كانت أحكم الحكم..

الجمعة، 27 يوليو 2012

دوغماتية العقلاء..

ما الذي يمسخ فكر شخص بلغ درجة عالية من العلم والإدراك لأن يكون أسير خرافات وأساطير!؟


سؤال فعلا يحيرني. فكلما وجدت له إجابة، نسختها إجابات.. نرى رجال قد بلغوا من العلم مقدارا ومن الإدراك أسرارا.. أطباء مهندسين علماء ذرة أدباء.. وبرغم ذلك تجد بعضهم يؤمنون ويسلمون لبراهما أو قسيس أو حتى ملا أو متشيخ لا يملكون من العلم أكثر من حكايات لا يدعمها العقل أو المنطق!! فرغم أنهم سموا بالفكر إلا أنهم يتنكرون له نزولا عند المعتقد!!


كيف لعالم ذرة هندي أن يؤمن بالصلاة لجوامد بأن ترفعه!؟
ولمن حاز جائزة نوبل في الكيمياء أو الفيزياء، أن يؤمن بأن الإله قد تجسد في إنسان لينقذ خطايا البشر!؟
ولمن يطور النانو، أن يعتقد أنه قد ولد من نسل الآلهة وغيره بشر أقل منه منزلة!؟
ولجراح قلب متمرس، أن يسمح لجاهل أن يقوده لمجرد أن جيناته المدعاة عن نسل الرسول!؟
ولبروفيسور يدرس الهندسة أن يعتقد برضاعة الكبير!؟
وكيف لإمرأة بلغت الحكمة أن تؤمن أنها ناقصة عقل ويجب أن تكون تبعاً للرجل حتى لو كان رضيعاً أو وضيعاً!؟ أو أنها ولدت لتخدم الرجل لا أن تعيش معه سواء!؟


نعود لنحلل غرس الطفولة لنجده أساس متين. ولكن هل هو كافي لمن فكر وتمرس خارج الصندوق لأن يكون بهذه الدوغماتية!؟ كيف إختاروا واعتادوا لاختبار كل ما يمر على عقولهم عدا فكر ولدوا عليه!! 
أم هو خيار من ليس له خيار!؟ ولماذا عدم صنع خيارهم الخاص!؟ فقد إعتادوه في علمهم وعملهم!!
أم أن معتقدهم هو الأصح!؟ لا يمكن ذلك.. لأن الأصح لا يحتمل جميع الموجودات..
أم أن السباحة مهلكة عندما تكون عكس التيار!؟


حقيقةً، أعياني السؤال وحيرتني الإجابات..!!

السبت، 21 يوليو 2012

الأشقياء المشقون..


الفكر هو برنامج الإنسان الذي يعيش بواسطته حياته. فكل مبادرة أو ردة فعل لنا تخضع للفكر الذي نعتنقه. الحرية الشخصية تكفل للإنسان الحر تغيير فكره حسب تطور حالته العقلية والمحدثات على الساحة الفكرية. في المجتمعات التي لا تقبل كثير من الإختلاف، يمكن للشخص أن يتعايش من خلال البعد عن النقاش وإخضاع أفعاله لبرنامج فكري هجين يكفل القبول في مجتمعه دون المساس بجوهر معتقده المغاير.

لا بأس بهذه الحلول إذا لم يمتهن الفكر. فكيف بمن وجد نفسه يعمل في الفكر المعتنق ثم أجبره عقله على تساؤلات نسفت إيمانه أو أجزاء كبيرة منه. أتحدث هنا عن تخصص دراسة أو عمل أو كلاهما علي ضوء فكر أو مذهب معين. لنتخيل قسيس أفنى زهرة سنوات عمره في دراسة اللاهوت ويعمل في كنيسة يقتات على أجرها هو وعائلته. ولنا قياس ذلك على ملا تخرج من قم ويقود حسينية أو مؤذن أو إمام مسجد في الخبوب تخرج من جامعة الإمام أو حتى أستاذ محاضر فيها.

لنتخيل مجازا، من درس لعشرين سنة حتى أصبح مستشارا في الصيرفة الإسلامية على أحد المذاهب الشائعة. ولكن متناقضات حيثيات كثيرة تراكمت حتى أجبرت فكره على التجدد. فأصبح لا يؤمن في الصيرفة على المذهب الذي وظف ليفتي به. شهادته وخبراته لا تساوي جناح بعوضة خارج هذا الفكر. جميع الطرق مسدودة في تغيير عمله ولا يسعفه العمر والإلتزامات الأسرية على إعادة التأهيل.

لنا أن نتصور قلة خيارات إنسان في هذا الوضع المؤسف. فأول خياراته أن يعيش التناقض بكل فلوله. في حياته في عمله في علاقاته مع أسرته ومع أصحابه وفي تربية أبناءه. تناقض يقض مضجع السوي ويغذي أصول الإنحراف. ليكون عرضة لأمراض نفسية تطغو على شخصيته وتؤثر على أبناءه وكل من يعتقد به. والأكبر طفوها على السطح والإساءة للفكر المعتنق والتشكيك به من قبل متبعيه قبل مناقضيه. وثاني خياراته هو إعلان الإنفصال فكرياً والتخلي عن جميع الإستثمارات الشخصية الفكرية والمؤهلات العملية دون وجود بديل يعوضها. وهنا يكون الفشل الشخصي والمجتمعي أكبر من أن يحتمله إنسان دون توابع وخيمة.

في كلا الخياران سيعيش مثل هذا الشقاء. سيكون علة على أهله ومجتمعه. سيخرج أبناءً بفكر معوق متناقض وزوجة حائرة وأم حزينة وأب خائب الظن. مثل هذه المعضلة تمتد لأجيال بعد هذا الشقي ولا تتوقف عند عمره. أجيال إما تحترف الإنحراف الفكري والتعدد الشخصي أو قبول الفشل كحل مشروع دائم التواجد بلا أنفه.

أظن أن من الحكمة محاولة عدم وضع من نعول في وضع مماثل. فحتى لو كان إيماننا بفكر أو بمذهب يقينياً، قد يختلف أبناءنا عن هذا اليقين فيغدون فريسة صراع نفسي رهيب قد يؤدي إلى الفشل أو المرض العقلي. عندها سيقولون ما قال المعري: "هذا جناه أبي علي" ولكنهم سيجنون على أحد..

الخميس، 23 فبراير 2012

متى تفقد السلفية المحافظة صدارتها..

ناقشنا بالمقال السابق الرفق بفرسان السلفية النجدية عندما تفقد صدارتها للمجتمع السعودي. وهو ما أثار تساؤلات وتفاوت وجهات النظر مع البعض حول واقعية هذه النظرة في ضوء مجريات النظرة الآنية للساحة السعودية. قبل الدخول في التفاصيل، أود أن أوضح أنها نظرة شخصية من خلال قراءة التاريخ ومحاولة توقع مستقبل التيارات الفكرية وتطورها. ذلك من خلال تحليل دورات الفكر أقرب منه للإحصائية كالتي تستخدم في التحليل الفني لمجموعة من البيانات التاريخية.

لنبدأ بالنظام السياسي الحاكم وهو الملكية. فالملكية تاريخاً هي أكثر الأنظمة التي توفر للعامة أكبر فرصة للعيش المرفه عنه للأنظمة السياسية الأخرى متى ما كانت في قوتها وواقعية قادتها. وعادة ما تتبنى الملكية الفكر المقبول من الشعب لتجنب أكبر قدر من الإختلاف مع الشعب لضمان إستمراريتها. وقد كان المواطنين في السعودية ذو ميول محافظة في السنوات التي بدأت من بداية الملكية السعودية حتى أحداث سبتمبر. ولكن تصادمية السلفية مع الفكر العالمي السائد أدى إلى إعادة النظر في دعم التيار المحافظ وضرورة دعم تيار يساري تقدمي يوازن المجتمع السعودي في ظل الإنفتاح على العالم الخارجي.

فالتيار السلفي النجدي المتسيد لدفة القيادة في المجتمع السعودي تيار حاد لا يقبل الآخر بمرونة تضمن إستمراريته لمدة أطول من السنوات الخمسين الماضية. ومثل هذه الحدية تجعل التيار يستفذ دورته أسرع من التيارات المعتدلة. فهو يخلق العداء ويثير المخالفين بوتيرة متسارعة عندما يصل إلى قمته ويبدأ منحناه التنازلي. فكان حتميا على السياسي البحث عن حلول سريعة بإيجاد تيار يوازن القوى ويخلق مساحة فكرية للعامة لللجوء لها كبديل جاهز. 

وكان الخيار هو التيار الليبرالي السعودي  كحل آني مستعجل. ليكون نتاج ذلك الصراع الفكري الحالي الذي نعيش مشتتين في رحى معركته. فكما لقننا التاريخ، مادام هناك توجه سياسي قوي، سيؤدي الصراع حتمياً إلى تنامي مؤيدي التيار الجديد في الناظر القريب على حساب الفكر المحافظ السائد. حتى يفوق عدد العامة ذوي التوجه الأكثر يسارية عدد مؤيدي التيار المحافظ القديم في السنوات العشر القادمة. 

قد تكون هذه النظرة جريئة للبعض المحافظ، ولكن عمر التيارات الفكرية حقيقة يضعف حجة مخالفيها كلما أمعنا النظر في التاريخ الإنساني ولا بد، في نظري، إعتبار النظرة الشاملة في نقدنا للساحة الفكرية.

الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

وهم أسميناه "الحب"..



لازال تيار الفكر بشري في نحو متصاعد في تقدير مجموعة من المشاعر أصطلح على تسميتها "الحب". كلمة نمت دائرة معناها لتشمل مساحة أكبر مع الزمن حتى أصبحت تحوي عند بعض المتطرفين هدف الحياة وغايتها لا وسيلة للتعبير عن المكنون ذاته.

اختلفت تعاريف الحب حسب المستوى الفكري الشخصي والمجتمعي. فعند الشباب أصبح الحب قناع للتعبير عن الحاجة الجنسية بوصف مقبول مجتمعياً. بينما عند من هم أنضج، هي وسيلة للحفاظ على التماسك الاجتماعي وحمايته من التفكك أو بالأحرى دعم قوى الوصاية الفردية على باقي أفراد المجموعة. فباسم الحب كان التغزل بالمحبوب وجسده وباسم الحب كان حفاظ الراعي "الأب" على غنمه "الزوجة والأبناء".

عقلياً، لا يحمل الحب معنى محدد يمكن قياسه أو حتى تحديد معالمه. فهي كلمة مرنة يمكن أن تشمل الحياة أو أن لا تشمل شيئا على الإطلاق. فكل من ضيع معنى لوصف مجموعة من المشاعر أسماها "حباً". وكل من سيطرت عليه غريزة حيوانية تغنى بالحب الذي أصابه بمقتل. وكل من أراد السيطرة على إنسان آخر، برر له المسببات بالهوى والعشق. فهي بالنهاية أنانية شخصية وشهوة التملك البشرية نتجمل بوصفها حباً مقدساً لا يستطيع المقابل دحرها ليتقبلها على التزاماتها المقيدة للحرية الشخصية.
أليس للحب التزامات؟ ألا يحتم ويفرض الحصرية للمحب على المحبوب؟ لماذا يتغنى المحب العذاب الشخصي بينما المحبوب هو الموضوع المدعى؟

التطور الأخير في المجتمعات المعاصرة أصبح في مرحلة متقدمة جداً من هذا الوهم. حيث أصبح الغاية والهدف والمتعة في هذه الحياة تأتي من الحب ولا شيء غيره. فأصبح من يدعو للبحث عن الحب كهدف للحياة السعيدة "رغم أن أشهر العشاق قد انتحروا". فاختلط الحب كنتيجة ووصف عن كونه هدف بحد ذاته. وهو ما أدى إلى أن يعيش بعض الذكور وأغلب الإناث في وهم البحث عن المستحيل الوهمي ليؤمنوا به بعمق من غير استشارة عقولهم. فأصبحت هذه الفئة هلامية الفكر والمعنى لا تستطيع شق طريق الحياة من غير وقودهم الأسطوري.

سيقول البعض أن "الحب والعشق مختلفان" وسأقول له "أهلا بك في عالم السفسطاء". وسيقولون "أنك لا تعرف معنى الحب لأنك لم تعشه" وسأقول "ولن أقع مادمت أستشير عقلي قبل غريزتي".
حقيقةً، أرى أنه ليس هناك ما يمكن أن نصفه بـ"الحب" إلا أننا أردنا صياغة الأنانية الفردية إلى معنى يتسالم عليه الجميع بوصف هلامي يمكن أن يكون كل شيء أو لاشيء.. ونحن بالخيار..

آسف لهذه الحدية التي قد تجرح البعض الواهم بالحب وأسراره الدفينة، ولكني أطلب المعذرة وأتطلب من المتلقي التجرد والحيادية والواقعية ما أمكنه وسمح له إحساسه الحبي الدفين بذلك. أعلم أنكم ستعذرونني عندما تعلمون أني أحبكم بكل المعاني الواردة أعلاه وما ذلك إلى حرص عليكم.

الجمعة، 2 ديسمبر 2011

الهوية الإلكترونية.. "بدري علينا"

في أكثر المجتمعات تحفظاً على وجه الأرض، يصعب على بعض أجيالنا المعتقة تقبل مشاركة عموم الخصوصيات. فحتى الأسم يصعب على بعض الرجال البوح به ما لم يكن هناك حاجة ملحة. فكيف بنا بالنساء؟؟ هذا للبعض أكثر سرية من الزئبق الأحمر.

أسترجع هناك النقاش العائلي الذي دار قبل سنتين حول مشاركة نساء العائلة في مواقع التواصل الإجتماعي. فهل يكون لهن حسابات خاصة؟ وهل يفصحن عن أسمائهم الحقيقية؟ عندما جاء دوري في الإدلاء، كان الجواب جاهزاً، فهو خيار شخصي تحدده المعنية من دون تدخل الجنس المتسلط على هذا القرار. في قرارة نفسي كنت أؤمن بأن الهوية الإلكترونية هي واقع حتمي وإن لم يعيه غالبية مجتمعنا في الوقت الحاضر وهي مسألة وقت فقط مهما أرجأناها. في النهاية، إنتصرت الحرية الشخصية في العائلة نصراً مؤزراً ولا عزاء للسلطة الذكورية.

لكن الهوية الإلكترونية في عموم المجتمع السعودي لازالت موضع حيرة عند الكثير. لنجد شخصيات عامة تتساءل عن المغزى من إنشاء حساب في الفيسبوك أو التوتر. حتى أن مسئول كبير سألني مرة عن جدوى وضع سيرته في "Linked In". حيث لم نعي، كمجتمع، أهمية وحتمية أن الإفصاح عن هويتنا بالشبكة العنكبوتية هي جزء من إتصالنا بالعالم الإفتراضي الذي سيصبح هو الرئيسي مع مرور الزمن. وأن التخلف عن الإفصاح سيعيق مزامنتنا بالمجتمع ويؤخر نمونا معرفياً. 

لازال الكثير من الرجال، الذين يجب أن يفخروا بأنفسهم وقد تجاوزوا سن الحكمة، يتسمون بمعرفات مثل "عزوز الذيب" و "الخاين" أو "المرقب" أو "الحب الحزين" أو بافصاح أكثر كـ"أبو محمد الأول". عداك عن الجنس الآخر المجبر على عدم الإفصاح عن حتى المعرف الرمزي. فنحن لدينا مشكلة حقيقية في تحمل تبعات الإفصاح عن مكنوننا المتناقض. حيث نتحرج من التصريح داخلياً بتشويش فكرة تضاد المنطق السليم وممنوعات المجتمع المحافظ. أصبحنا مخلوقات من نوع خاص معاقة عن التسالم مع الواقع الحقيقي. لنحمل هويات متناقضة نلبسها مثل قبعات المناسبات الفكتورية، حسب المجلس أو الموقع. نلبس قبعة الدين في مجلس العائلة الذكوري العام، قبعة "العيارة" في الخاص، الرومنسية في التويتر والفيسبوك والإحترافية في الـ"Linked In". 

مشكلتنا هنا أعمق من أن يحلها بعض الوقت. فتأصل التناقض هو أساس في تكويننا. لذا أرى أنه "بدري علينا" كجيل مخضرم بين المجتمع العادات والتقاليد ومجتمع الإلكترونات أن نبوح بما هو مباح..

الجمعة، 11 نوفمبر 2011

"النفسيات" عدوى تجتاح نساءنا..!!

"النفسيات" مصطلح جديد أطلقه الشباب الساخر والمبدع في وصف من يتغزلون بمبالغة أو يشتكون الهوى والجحود والهجران والجحود أو الحظ والدنيا وقسمتها بلا حدود وبنهاية طوفانية. وقد تناولوها بطرف وتعليقات ساخرة تنتقدها باسلوب عامي مؤلم وممتع في آن واحد.

رغم أن النقد شمل الجنسين، إلا أن إنتشار هذه الحالة النفسية استشرى بالنساء عموماً، وبالبنات خصوصاً، بشكل يدعو إلى الوقوف والتأمل. فأصبحت أغلب الحالات المنشورة في برامج المحادثة وخصوصاً أهل البلاك بيري من أمثال "ليه بس يا زمن" و "ودي أعيش ولو ساعة" أو "رضينا بالهوى بس الجحود عنوانه" و "لو كان للهوى ضحية.. أكون خروفك في أول العيد.." تطغى على أغلب النفسيات المعذبة. وأمسى من مثل "حامد زيد" عراب هذه النفسية.

وعندما نحلل هذه الحالات، نجد أن هذه النفوس تتلذذ بسادية الحالة الوهمية لأنها فارغة عاطفياً ولا تستطيع التعايش مع الواقع. فكيف بها تحارب من أجل قضية حقيقية تستدعي الشحذ الفكري..!!؟ ففاقد الشخصية لا يستطيع المحاربة عنها.. وخاوي الروح لا يسمو فكرياً مهما اصطنع.. والمتلهي بالعذاب الخرافي، كيف به يصد غارات المجتمع المحافظ؟ وهل يستطيع من يعيش الوهم الدفاع عن حقوق مسلوبة؟

أصبحت صفصفة الكلمات الحمراء هي الغاية لسراب الوهم النفسي المعذب ولم تك أبداً وسيلة للتعبير عن واقع ذاتي حقيقي. وأضحت المشاعر الفياضة تقود عجلة التفكير لا وسيلة للتعبير الخام.. ثم غدى الهدف الحقيقي آخر الهم.. فأمست النتيجة خواء في فراغ..

هذه، حقيقةً، حقيقة مؤلمة يلزمنا التعايش معها في فترة تستجدي الهمم في التغير نحو الأفضل.. الفرصة الحالية قد لا تدوم طويلاً، فنرفانا التغيير مواتية لإستعادت بعض الحقوق النسوية في مجتمع مختل التوازن.. لذا أرى أن نجير هذا الهدف للأجيال القادمة كما هي الأهداف الحقيقية الأخرى. ليتسنا لنا الغط في سبات أعمق داخل السبات الكلي وننعم بالشخير الصاخب.

في مقال سابق، "نسائنا العزيزات.. هل أنتم فعلا بهذه السطحية..!؟؟" طالبت فيه برعونة عموم نساءنا بالنضوج ومواجهة الواقع والقتال من أجل حقوقهن المسلوبة.. وهنا أتراجع عن مطالبي لأنني اقتنعت أنهن في هذه الفترة لا يملكن المقومات لمثل هذه المعركة. فأغلبهن لايزلن في مرحلة بدائية من الفكر من سماها "النفسيات" التي دائماً ما تتعلق بالآخر وردود الفعل على أفعاله.. وبتفاؤل.. آمل أن يصلن إلى المرحلة الفكرية المطلوبة خلال العشرين سنة القادمة..أو أربعين.. لا ضير مادمنا نحن الرجال مستمتعين بذلك.. فلزم الإعتذار للـ"النفسيات" مع الأسف..

الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

القولبة.. أداة تحجيم الفكر..


 العقل البشري هائل القدرات. فالتراكم المقدري لمجموعة من المفكرين يفوق تصور أي شخص بعينه. لذا تنشأ المجموعات الفكرية أساليب لا يعيها أحدهم لوحده ولكنهم يطورونها كمجموعة عقلية عبر الزمن. من الأدوات التي يلجأ لها المجاميع الفكرية المتطرفة وخصوصاً يميناً، هو تصنيف الأفكار غير المتوافقة مع الخط العام لفكرهم أو ما يمكن أن نطلق عليه "القولبة". ودلائل ذلك نشوء تصنيفات أو قوالب جديدة كل يوم. فقالب القاعدة لم يكن مصنف فكرياً قبل نسف البرجين. وقبلها لم تكن السلفية تعني مجموعة فكرية لها أفكار مخالفة. ولا العلمانية ولا الليبرالية أو الجامية وقبلها الصوفية والسنة "الناصبة"  أو الشيعة "الرافضة" أو اليعقوبية والآبائية أو الكاثوليك والبروتستانت... أوضح مثال تاريخي هو تسمية البروتستانت الأوائل كل مذهب يخالف فكر قادتهم بالمهرطقة.. وهو من أوسع ما صنف عبر الزمن..



لا بأس في التصنيف كاختصار فكري، ولكن المعضلة تكمن عندما يستخدم كأداة لخدمة فكر معين ورد العامة من التبصر بعقلانية بأي فكر مخالفة له. وبهذا تكمن سيطرة خاصة الفكر على عامته بعدم السماح لهم حتى مع أنفسهم في إختبار الأفكار الجديدة غير المتوافقة مع خطهم العام. فعندما يحاور أحد العامة شخص ذو أفكار مغايرة، تجده يجتهد لقولبته في أحد القوالب التي نحتها سادة فكره حتى يحكم عليه كما حكم سيده الفكري دون أن يختبر أو حتى يناقش الفكرة المتحدث عنها. هنا يصبح كل شخص ليس من الخاصة مثل أنظمة المحاكاة الصوتية التي تجيب بما خزن بها من قبل. وهنا تكمن السيطرة الفكرية الكاملة بسلب الإرادة الفكرية التي تميز البشر عمن سواهم. امثلة ذلك عبر التاريخ كثيرة، كنهي سادة قريش عامتها من سماع القرآن أو تصنيف الأنبياء بالسحر أو الجنون لسلب حكم العامة على ما قدموا من جديد. وحديثاً النهي عن إطلاع العامة على صنف معين الفكر كالفلسفة أو حتى القراءة في مجملها من دون رقيب منهم "من كان شيخه كتابه.. كان خطأه أكثر من صوابه".

الطريف أن كل مجموعة فكرية متطرفة تتهم مضادها بالقولبة فالناصبة يتهمون سادة الرافضة بسلب فكر العامة وعدم السماح لهم بسماع الحق منهم وكذلك يرى "الملالوه" بأن عامة الناصبة لا عقل لهم لأنهم مسلوبي الإرادة. ونحن نتهم الغرب بعدم السماع والتبصر بديننا وهم يتهموننا  بأننا نرى العالم من ثقب الباب. المحير أن التيارات الفكرية الدينية "الأصل" أكثر من يستخدم القولبة في سلب فكر العامة رغم أن الأديان تحديداً ثورة فكرية في عصرها وقد كانت تجاهد لجعل الناس تفكر وتتفكر وتتبصر وعدم طاعة سادتهم. لكننا نجد أن أكثر التيارات تشدداً في إتباع أصول الدين، أكثرها تشدداً أيضاً في السماح لأتباعها السماع لأي فكر مغاير. وبالتالي لو أنهم وجدوا في بداية هذا الفكر الذي يتعصبون له، لكانوا أشد من كفر به وحاربه.. فهي مسألة زمن ليس إلا..

القولبة أداة ماكرة يقع بها الشخص حتى عملياً. فعلماء الإجتماع يحذرون منها حتى في بيئة الأعمال. فنشأت مصطلحات مثل “Mental Model”   أي القالب العقلي أو “Stereotyping” الصورة النمطية، وهي ما يصطلح على مجموعة من الناس يحملون نفس الفكر والحكم عليهم بأحكام مسبقة لا تستند على الحقائق المعاصرة للحكم. وهي مشكلة وعاها الغرب خلال القرن الماضي وحاربوها بشتى الوسائل حتى بالقوانين الوضعية. ولكننا لازلنا نغفل عنها بل ونجعلها عقيدة لنا.. فهذا سلفي متزمت وهذا شيعي ملعوب عليه وهذا صوفي خرافي وهذا جيزاني وهذا قصيمي وهذا حوطي وهذا طرش وهذا بدوي وهذا حضري وهذا علماني وهذا ملحد.... دون الحكم على التصرف أو الفكرة بحد ذاته بمعزل عن قولبة الشخص أو الفكر والحكم المسبق.

السبت، 5 يونيو 2010

الواقعية كأسلوب نعيشه ونستفتيه..

الواقعية في نظري, هي الحكم على موقف معين من خلال أعمق تجرد من خلفيتنا الثقافية والإجتماعية ومن ثم عواطفنا مما يوصلنا لحكم أقرب ما يكون إلى الحقيقة الصرفة القابلة للتطبيق. ومن خلال إحتكاكي بالشعوب الأخرى, وجدت أنها من أهم ما ينقصنا عند إستعراضنا لمشاكلنا الإجتماعية والفكرية وبالتالي الحكم الناجع لحلولها.

فغالباً ما تطغي عواطفنا على عقولنا, فنصاب بالإحباط لبعدنا عن حقيقة الواقع وبالتالي نصل إلى أحكام غير منطقية أو غير قابلة للتطبيق أو بمطابقة لا تحل المشكلة الأساسية.

وعند إستعراضنا للمشاكل الأخيرة التي حصلت بالمملكة, نجد تيار العواطف هي المسيطر على أحكامنا مما جرفنا إلى استنتاجات غير منطقية والذي أشعرنا أو زاد من شعورنا بالإحباط في كل مرة يتطلب منا الحكم وإيجاد حلول هذه المعضلة.

ولنأخذ مأساة جدة الأخيرة كمثال, فقد تمحورت إستنتاجاتنا حول الفساد الشخصي لأعيان المسئولين, وإن كنت لا أنفيه, غاضين الطرف عن المصدر الرئيسي في الخطأ وهو عدم نضوج الأنظمة خلال فترة نشوءها لقصر العمر الزمني النسبي والذي سمح بفساد بعض الأشخاص الذين كانوا في موقع المسئولية. فكانت أحكامنا قاصرة لعدم واقعتيها أو واقعية حلولنا المقترحة بضحالة لا تتعدى محاكمة شخوص أتوا ورحلوا لن تحل معاقبتهم أساس المشكلة.

يتجلى لنا ذلك عندما تلت مأساة جدة مصيبة الرياض. فلم نستطيع تطبيق نفس معايير الحكم السابق لعدم أهليته في حل المشكلة السابقة. فضاعت حكمتنا في إيجاد حلول مشابهة بل وإنقلب أكثرنا على بعضهم في المجادلة على عدم كيل الإتهامات على شخوص رياضية معينة كما كان التشخيص في جدة.

ولو نظرنا بواقعية, فالمملكة دولة مترامية الأطراف نشأت من أقل من خمسين عاماً بشعب خيم عليه الجهل والعامية لقرون طويلة مع تدفق ثروة تشغل العاقل قبل السفيه. ولكي نصل لما وصل له متقدمي العالم الحالي, لا بد من تراكم حضاري على مدى زمني يفوق بكثير ما اتسع لنا حتى الآن. ولا بد لنا من المرور على مراحل النضوج من دون تخطي فهي كالعمر لسنا ببالغيه حتى تنقضي مدته.

بواقعية, مأساة جدة ومصيبة الرياض, نتائج حتمية لتدرج المدنية مرت بأمثالها جميع الحضارات السابقة قبل أن تصل إلى وصلت إليه الآن ولكنها في رأيي نقطة قد تكون مفصلية في الإنتقال إلى مرحلة أكثر نضوجاً من خلال سعينا المتواصل في اللحاق بمسيرة المدنية المتسارعة.

الخميس، 11 فبراير 2010

تعريف الحب.. بعقلانية مجردة

الحب كلمة أشغلت جميع الشعوب في كل الأزمنة.. ورغم ذلك لم يتوصل مجموعة معتبرة من بني البشر لتعريف مجرد لحدود وتشاكيل هذه الكلمة المعضلة.. فالحب هو مزيج من العواطف التي تتشكل من خلال دورات مشاعرية متعددة يصعب على الباحث رسم خطوطها العريضة مهما توغل في أعماق أفكاره السحيقة..
ولو أستطعنا أن نبحثها بعقلانية متجردة، كما لم يبحثها جل الباحثين والمتفلسفين من قبل، لتوصلنا إلى نتيجة قاسية لم ولن يقبلها المحبين على إختلافهم. لكننا سنحاول وحسبي الله ونعم الوكيل مقدماً..

ولأن الناس تحب بعواطفها لا بعقولها، نجد التذمر من الطرف الآخر أحياناً والسادية في أحيانٍ أخرى هي الطاغية في معادلة الحب ذات العوامل المتغيّرة والمتعددة لتكون مستحيلة الحل في الفضاء العقلي المجرد.

الحب في نظري هو عبارة عن تيارات عاطفية متدفقة تنشئ من فروقات في مستويات الفكر أو الحالة الإجتماعية أو التناغم الجسدي المحض بين المتحابين. لذا نجد من يملك شخصية متميزة أقرب أن يُحَب من أن يُحِب لأن التيار يكون في إتجاه فردي بسبب كون مستواه أعلى من الطرف الآخر ومما يولد فرق الجاذبية ومن ثم تدفق المشاعر ليكون الطرف الأعلى هو المسيطر في هذه العلاقة. ومتى ما خفت تدفق هذا التيار خفت الحب معه من خلال دورات الزمن المتغير.

وهنا يبرز سؤال مهم عن طبيعة الحاجة إلى الحب وبحث أغلب الناس الدائم عنه..
فهل الحب ضرورة بشرية سنها الله في غرائزنا؟؟
أم أنه كمالية إكتسبناها على ضوء إستحضار المجتمع المحيط لهذه المشاعر وإستثارتها؟؟
الجواب المفصلي هنا يصعب مثل صعوبة تعريف الكلمة لأنه يتطلب إستجلاب تاريخ الأمم التي قبلنا والتي تناقلت حضارتها عبر الزمن لتصل إلينا عواطفها ومشاعرها والتي لم توضح بجدية في كتب التاريخ الغابرة..

وقد يكون الأنسب لإجابة هذا السؤال هو بحث عواطف الأمم المنقطعة عن بقية العالم مثل شعوب أستراليا وغابات الأمازون بُعيد دخول المستعمر المادي وقبل إختلاط الفكر من الطرفين..

وإن كان لنا يجب أن نحب.. فليكن مثلما أحب جرير القائل:

ياأم يا أم عمرو جزاك الله مغفرة **** ردي علي فؤادي كالذي كانا
ألست أملح من يمشي علـى قـدم **** يا أملح الناس كل الناس انسانا
يلقى غريمكم من غير عسرتكم **** بالبذل بخلا وبالاحسان حرمانا
قد خنت من لم يكن يخشى خيانتكم **** ماكنت أول موثوق به خانا
لقد كتمت الهوى حتى تهيجني **** لا أستطيـع لهـذا الحـب كتمانا
كاد الهوى يوم سلمانين يقتلني **** وكـاد يقتلني يوما ببيدانا
لا بارك الله في من كان يحسبكم **** الا على العهد حتى كانا ماكانا
لا بارك الله في الدنيا اذا انقطعـت **** أسباب دنياك من اسباب دنيانا
مااحدث الدهر مما تعلمين لكم **** للحبل صرما ولا للعهد نسيانا
ان العيون التي في طرفها حور **** قتلتنـا ثم لم يحين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به **** وهن اضعف خلق الله اركانا
ياحبذا جبل الريان من جبل **** وحبذا ساكن الريان من كانا
وحبـذا نفحات من يمانيه **** تأتيك من قبل الريان احيانا

السبت، 6 فبراير 2010

عجلة السعادة.. بين السعي والتحقيق

السعادة....

لو سألنا ما هو تعريف السعادة لإختلفت إجاباتنا على ضوء منظور وخلفية ومرحلة كل منا..
فنجد المحتاج يعرفها بسد الحاجات ولو سدت حاجاته عرفها بتوفر الكماليات ولو توفر كمالياته لساح في فلسفة فكره وعرفها بقناعات طرقها من كان قبله وإن إختلفت اللغات.. ولو تعمق أكثر توصل إلى اللاشيء ليجد نفسه قد فقد سد حاجاته ليعود جارياً وراء ها في عجلة تدور كما يدور الزمن بلا إنتهاء وإن إختلفت الأدوار...

وفي تحسس لهذه الدورة نجد أن النسبية هي المسيطرة على بلوغ هدف السعادة.. فالنسبية تلتزم البداية من وضعية ومن ثم الإرتقاء إلى وضيعة أفضل منها مع بلوغ الهدف المرحلي الذي يصبح بالتالي كالسراب عند بلوغه لنبحث بعده عن هدف أو سراب آخر نسعى لتحقيقه..

وغالباً ما يختلط علينا سعادة السعي لتحقيق الهدف وسعادة تحقيقه... وهذا هو الإختلاف الجوهري بيننا وبن الشعوب الواقعية حيث تجدنا نتجرد من سعادة السعي إنحيازاً لسعادة التحقيق مما يفقدنا لذة الحياة في أغلب مراحلها لأن مدة السعي تفوق بكثير لحظات إدراك تحقيق الهدف..

هذا بالغالب يجعلنا نعيش التعاسة جل فترات أعمارنا لأنها فترات سعي مما يفرز السلبية السائدة في مجتمعنا متذمرين من الواقع ساعين مجهدين لتحقيق سعادتنا لا متخذيها كطريقة للحياة..

الخميس، 26 نوفمبر 2009

تبسيط آليات إستقبال المدخلات الحسية

لو تناولنا عمليات تكوين الآراء الشخصية من خلال منظور هندسي مبسط جاز لنا ما لم يجز لغيرنا في تبسيط هذه العملية هي الأقرب لبدائية التفكير عند الإنسان الأول.

فكل منا يطور المقاييس الفكرية النسبية لفهم سيل المعلومات الداخلة لعقله. ليكون النظر (القراءة والمشاهدة وترجمة لغة الجسد) والاستماع (ترجمة المعاني والنبرات) واقل منهما الحس هي المداخل الاساسية للمعطيات التي تحللها عقولنا ومن ثم تبرزها مشاعرنا لنطلق أحكامنا (المخرجات) على كل ما ننظر أو نستمع أو نحس.

ولو أردنا تقنيين هذه الآلية علمياً لجرفتنا أمواج وأعاصير عقولنا المعقدة في متاهات سحيقة لنضيع الفكرة الرئيسية المراد معالجتها. فيختلط حابل أفكارنا بنابله لنخرج في أغلب الأحيان بفكرة ضبابية تحنف بنا عن فهم ووعي شمولية المعلومة ومن ثم دقة مخرجاتها. لذا كان التبسيط هو الوسيلة الأنسب لضمان استمرار ثبات المعايير النسبية في التحليل الذي ينتج مخرجات متناغمة.

فكيف لنا تبسيط هذه الآليات المعقدة لاستقبال المدخلات من دون اهمال شمولية المعلومة؟؟

في إعتقادي إن تطوير مهارات فكرية ضرورية هو الأنسب للوصول لهذا التبسيط. المهارة الأولى الأساسية لفهم ووعي المعلومة هو الإطلاع المبدئي. بحيث يكون هذا الإطلاع شامل لمجموعة من المعلومات المجردة التي تقبل أقل قدر من الإختلاف بين أعضاء مجموعة البحث. فإذا توصلنا لهذه القاعدة كان طريقة البحث والتحليل هي الفيصل في توافق الأحكام الناتجة (المخرجات) من آلية العملية البحثية الكاملة.

هنا تأتي الحاجة للمهارة الثانية في عمل آلية التحليل الفكري الشخصي والتي تبسط هذه العملية المعقدة والمرهقة وهي الأصعب والاكثر استنزافاً لخلايا العقل البشري المعقد أصلاً..!! عن نفسي، لم أجد أفضل من التجرد قياساً وآلية قد تضمن، بنسبة جيدة، شبه ثبات لمخرجات العمليات الفكرية التحليلية. هذا يقودنا إلى الحاجة لتطوير مقياس عملي للتجرد حتى لا نتيه من جديد..!

أظن أن المقياس العملي للتجرد هو فهم ومن ثم تفهم أو رد وجهة نظر جميع الأطراف والنقائض وهو أقل ما يؤهلنا في مقياس التجرد لإطلاق أحكاما هي أقرب للصواب منها للعاطفة. و للوصول لهذه الدرجة من التجرد، وإن تعارضت مع مسلماتنا، يتحتم علينا وعي وجهات النظر النقيضة من خلال تجردنا الصرف بالتفكير كما فكر الطرف الآخر على ضوء خلفياته التعليمية والاجتماعية والدينية والعقائدية..

فإذا ما إطلعنا وأتقنا تجردنا، كانت مخرجات أحكامنا أقرب للصواب الثابت وأدعي للإتفاق مع المتجردين الآخير لنصبح في نطاق طبقة الأغلبية الواقعية البعيدة عن أهواء العواطف.

الخميس، 12 نوفمبر 2009

بتجرد.. حالة زيد

نشأ زيد في بلدة جبلية صغيرة وفي مجتمع اتخذ من المذهب العقائدي والعادات والتقاليد السائدة أحكام يعيش على ضوءها ويدندن حولها. لم يكن له طموح أكبر من أن يعيش في مستوى مدني يتناسب مع ما من الله عليه في أرضه ساعياً لطلب الرزق من خلال ماشيته المتواضعة وبفهمه وتفهمه لجيرانه وإخوانه من خلال ما تعلم من معلمه الذي كان يقود القرية الجبلية.

ولكن ثورة بعض إخوانه على معلمه وتسلمهم زعامة القرية، انتقصت بعض من حقوقه العقائدية حسب رأيه. و أمر من ذلك، سلبت بعض حقوقه المدنية المتواضعة أصلاً. فما كان منه إلا أن لجأ إلى زعماء المدينة البعيدة الذين مدوا له يد العون في الظاهر رغم إضمار نصرت عقائدهم بإيجاد أتباع جدد تتقاطع معهم بالمصالح وشيء من العقائد رغم أن عقائد زيد أقرب لإخوانه منها لهم.

فاستغل زعماء المدينة البعيدة ذلك الانتقاص في الحقوق ليكون مدخلهم للتأثير على عقائد زيد لتحقيق أهدافهم المبطنة. فأمدوه بالمال لفينة من الزمن حتى يعتمد عليهم ولا يستطيع أن يعود لسابق معيشته البسيطة. فما كان منهم إلا أن بدءوا بفرض آراءهم عليه ليثور على إخوانه. فمدوه بالسلاح والعتاد لاستعادة بعض حقوقه المغتصبة مما قاد إلى معارك عائلية دامية خسرت على ضوءها قريتهم العديد من الأرواح والأنفس والأموال الشحيحة أصلاً.

ومع انتشار رقعة المعركة، لقوة إخوانه النسبية واستمرار دعم زعماء المدينة البعيدة، لتصل إلى حدود القرية المتاخمة للمدينة القريبة. ورغم أن هذه المدينة القريبة قد استقبلت ودعمت معلمه عند تهجيره من قبل إخوانه، إلا أن غبار المعركة أصاب بعض سكان المدينة القريبة مما أثارها عليه لتدخل المعركة بقوتها وعتادها فاختلط الحابل بالنابل وصار زيد في موقف من يدافع على أكثر من جبهة مع أكثر من أخ.

حزن زيد على فقده لأبنائه وعدم الاستفادة من أموال القرية البعيدة لتحسين مستوى معيشته وحزن إخوانه لتقويض سيادتهم وحزنت المدينة القريبة لاجترارها لمعركة لا ناقة لها فيها ولا جمل. كما فرح زعماء المدينة البعيدة لخدمة هذه المعركة لأهدافهم غير المعلنة، بتورط المدينة القريبة المختلفة فكريا معهم، بالمعركة.

وفي النهاية، لم يجد زيداً خلاصاً لمشاكله ولم يربح أخوانه سيطرتهم وغاصت المدينة القريبة في حرب استنزاف وتشتت وربح زعماء القرية البعيدة بدعم أهدافهم...

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2009

بين وصايتي اليمين واليسار!! لم ينجح أحد

إكمالاً لمواضيعنا عن الحصانة, ومن خلال نقدنا في المقال السابق" للمرحلة الانتقالية", تتجلى لنا رؤية أطراف النزاع القائم بشكل أوضح كلما تجدد حدث كبيراً كان أم صغيرا. فكلمة لأحدى طرفي النقيض يمكن أن تثار وتضخم من قبل النقيض الآخر لتصبح معركة في الإعلام الرسمي.

شاهد ذلك هو كلمة صالح الحصين عن تعريف الوطنية ورد عبدالله الفوزان عليه ثم تتابع الناقدين والمؤيدين من الطرفين بسخرية تجعلنا نتساءل عن ماهية الهدف من هذه المعركة!!؟؟ فهل المراد هو الإصلاح من الطرفين أم هو فرصة لتحقيق مصالح شخصية لأي من الأطراف!؟

عن نفسي, فدائماً ما أقرأ مقالات المعارك الاجتماعية بحميمية لفهم ما تحمل من مشاعر وتوجهات شخصية. فإذا ما استنتجت أن كاتب المقال يبحث عن التقارب اكثر من الاقتصاص أو إبهار القارئ, كان الجانب الإصلاحي هو الطاغي في فكر الشخص. فالتوصل إلى نتائج يكون من خلال السعي إلى التقارب أكثر منه من خلال الإقصاء المباشر. فإن كان الشخص يملك فكراً مناسباً للزمن المناسب ومخلصاُ في إصلاحه, غنم جميع المكاسب من نصرة فكره واجتذاب المؤيدين وكشف عدم سعي الطرف الآخر للإصلاح من عدمه وفوق ذلك كله إبهار المتلقين والمتفرجين. اما اذا كان الكاتب يحاول تصيد الاخطاء وبشخصية، كان الحكم السلبي هو الطاغي.

مشكلتنا كمتلقين, أن تيار اليسار الحالي نشأ وترعرع أصلاً في كنف التيار اليميني. ففهم غاياته وأساليبه, وفوق ذلك أصبح يطمح لتحقيق نفس المصالح والمكاسب التي تمتع بها الطرف اليميني لعقود عديدة. فعلى ضوء المتغيرات الحديثة في شفافية وحرية الإعلام من صحف وشبكة عنكبوتيه وبريد الكتروني, إضافة إلى سعي الدولة للحيادية على قدر المستطاع, انكشفت ظهورنا وغدينا غنيمة سائغة لكل من أراد أن يفرض علينا فكراً جديداً أو إشباعا لشهوته من السلطة والتسلط..!!
أصبح صراع تولي الحصانة على المجتمع هو الهدف أو الوسيلة التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف فكريةً كانت أم شخصية, وللأسف من كلا الطرفين.

فطرف اليمين وفارس معركته هذه المرة يطلب من الطرف الآخر الاستعانة بطلبة علم شرعي ليفهم فحوى كلامه؟؟ هنا تنكشف خفايا الغايات بشكل كبير. طرف اليمين بدأ يفقد امتيازات تزعم المجتمع فكريا!!. فقد أصبح العامة (كما يسموننا) يفكرون في الحدث ذاته ومن خلال عقولهم وهو ما لم يعهدوه منهم في العقود الماضية بتسليم الفكر لأهل العلم المؤهلين لألا يصبحوا "عقليين" مثل "القصيمي" و "العياذ بالله"!!!
أما فارس اليسار الذي من المفروض أن يكون مدرساً لمراحل عليا, يرد باستهزاء بقوله أنه استشار بعض أهل العلم ولم يصل إلى فهم ثابت لفحوى فهم الطرف الآخر!!! ثم ينتقل لنقد الأجهزة الحكومية لعدم تطبيقيها توصيات الحوار الذي يرأسه الفارس اليميني. ثم يكمل الباقين مداخلتهم ببعض التعابير المعممة لا يرجى منها إلا تهميش العامي لنفسه وإبهاره من غير غاية محددة!!؟ أو الانحياز ودعم أحد الأطراف على حساب الآخر دون نقد الحدث ذاته واحتماليات التوافق لخدمة الهدف الأسمى..

هنا فقط أطلقت العنان لاستنتاجاتي السجينة، حيث اتضح صير معركة الأطراف المتناحرة إلى معركة مصالح شخصية صرفة لا يرجى منها أي حلول تضيف إلى المجتمع ونماءه.

لقد افترضت عدة تعهدات في بداية تدويني.. ولكني ها هنا انقض أولاها في هذه المقالة لأكون تقريرياً وبدرجة اقل من التجرد الذي ارتضيته لنفسي!!

السبت، 31 أكتوبر 2009

مجتمع المتذمرين…!!

أجمل ما في حضارة الأمريكان السطحية (لحد ما) تصنيف الفئات السلبية في المجمع ونبزها بألقاب خاصة. فإما أن يحذر الشخص من الوقوع في هذه الفئة أو يتم عزل تأثير عضوها على المجتمع. لذا تجدهم يصنفون من يكره الجديد ويرى أن القديم دائماً أفضل بـ"ماضيين" ومن يختلف في اللبس والتصرفات عن باقي العامة بـ""geek أي شاذ أو غريب. ومن يكثر التذمر بـ"متذمر" أو "متضجر". وعن مجتمعنا, فنحن كثيراً ما نقع في الأولى وقد نحتاج الثانية قريباً ولكننا نعيش الثالثة كظاهرة!!

في أي مجلس من مجالسنا من الجنسين ومن جميع الفئات السنية تجد التذمر هو الطاغي على أغلب الأحاديث اجتماعية كانت أم اقتصادية أم تاريخية أم أم.... تجد الرجل يتذمر من زوجته وأولاده وكذا الزوجة وكذا الأولاد. تجد 99% من الموظفين غير راضين عن وظائفهم أو مدرائهم أو سياسات شركاتهم أو وزاراتهم. تجد الجميع يتذمرون من الجو والعمل وغلاء المعيشة وحالة الشوارع والدولة التي لم ترد لهم خسائرهم في الأسهم إضافةً إلى جميع من يأتي ذكره من غير الحاضرين!!! تجد مقالات التذمر (لا أسميه نقداً) مثل "عقال الوزير" ومقال الإكس شيخ عن الغربي "الذي لديه ولدان أحدهما مهندس والثاني طبيب" يرسل لك بالبريد الإلكتروني من عشر أشخاص عند صدوره ومرة بالشهر عند اللزوم..

فنحن نتذمر من إسفاف التلفزيون والمسلسلات الخليجية والفيديو كليب لنشاهدها متى ما حانت الفرصة. نتذمر من غلاء المعيشة وكثرة المكوس مقارنة بالغير رغم كون المملكة من أرخص الدول الغنية معيشة ومن أعلاها كصافي دخل (كنسبة المتبقي من الراتب إلى الإجمالي بعد خصم الاستحقاقات الرئيسية). تجدنا نتذمر من تحويلات الطرق ثم بعدها مباشرة نتذمر من عدم وجود الخدمات. نتذمر من سوء القيادة في شوارعنا وننسى أن هؤلاء القواد هم أنا وأنت. تجدنا نتذمر من الرياض وجدة والدمام مقارنة بجدة والدمام والرياض.

أصبح المجتمع ينظر إلى كل الأمور بنظارة شمسية سوداء يرتديها ليلاً نهاراً. فدأبنا لا نرى إلا السلبيات من الأمور حتى اعتدناها كحياة واستمتعنا فيها بسادية. أضحى الكثير منا غير منتجين لأن التذمر عدو الإنتاج والنجاح رغم أننا نملك وبقوة جميع عوامل النجاح. فنحن نملك الشعب كطاقة بشرية ونملك أعظم الثروات الطبيعية لتمويل النهوض بحضارتنا ونملك حكومة مستقرة تضمن تراكم هذه الحضارة من دون انقطاعات قسرية. رغم هذا وذاك, تجدنا أكثر من يصدر مهاجرين كنسبة من الدول غنية!!

فما هي المشكلة؟؟ وما هي الحلول؟؟
هل المشكلة أننا لازلنا نسمي التذمر نقداً رغم أن النقد يتبعه اقتراح حلول وعمل على تنفيذها والتذمر يتبعه التأفف!!؟؟ هل أننا مرفهين لدرجة تجعلنا نبحث عن النقص أكثر من تمتعنا بالواقع!!؟؟ أم نحن فعلاً أتعس شعب على وجه الأرض لأننا أكثر الشعوب تذمراً!!؟؟

في لقائي الأسبوعي في القهوة الغربية مع أحد الأصدقاء ناقشنا الحالة الأممية التذمرية, فتوافقنا, كأغلب الأحيان, على تفشيه كظاهرة مما أوحى إلي بكتابة هذا المقال. ولكن وأنا في نهايته, أرى أننا تذمرنا من ظاهرة التذمر والمتذمرين وذلك إثباتاً لأن نكون عناصر فعالة في المجتمع ولأن لا نكون من الـ"geeks" في مجتمع التذمر.
وختاماً أرجو أن أكون قد تذمرت بالشكل الصحيح عن ظاهرة التذمر لما في ذلك من إراحة للنفس بإلقاء التهم على الآخرين لأكمل باقي أسبوعي رافع الرأس....!!!

الجمعة، 23 أكتوبر 2009

التجرد... مهارة متى نتقنها؟

عندما نكون وجهة نظر شخصية عن حدث ما, تتشكل آراءنا من خلال مجموعة من العوامل يمكنها أن نصنفها زمنيا بالخبرات والمواقف الشخصية و المسلمات العقائدية أو الاجتماعية (الماضي), واقع الحدث (الحاضر) وتوقع التبعات (المستقبل).

و إذا افترضنا تقارب وضوح واقع الحدث للجميع, وكان استقراء وتوقع التبعات هو نتيجة لما يسبقه, أصبحت خبراتنا ومواقفنا الشخصية العامل الوحيد المسبب لإختلاف وجهات النظر.

رغم كون واقع الحدث هو ذاته للطرفين, إلا أن هذه الوجهات قد تتباين لدرجة قد تتسبب في أزمات أو حتى تقود إلى حروب مدمرة. لا أتحدث هنا عن صراع المصالح بين الأشخاص أو الدول لأن هذا شيء آخر قد يكون حتميا في أحيان كثيرة. ولكني أتحدث عن تباين وجهات النظر الخاصة أو المؤطرة التي تقود لهذه الاختلافات ومن ثم الخلافات.

فنحن نرى كيف أن مشجعي فريقين متبارين ينظرون لأحداث مباراة بتباين يجعلك تتساءل "هل كانوا يشاهدون المباراة نفسها؟؟"

فكيف لنا أن نصل إلى أفضل تقييم مشترك لواقع الحدث رغم إختلاف مواضينا لنكوُن أقرب وجهات نظر قابلة للتناغم أكثر منها للتناحر؟؟

عن نفسي، أرى أن التجرد هو أفضل طريقة عملية قد تقودنا إلى الرقي بواقعنا وجعل مواضع إتفاقنا أكثر من إختلافنا. فكلما تجردنا من الأحكام المسبقة عند تكوين الرأي الشخصي كلما كانت آرائنا أقرب وأدعى بأن نتفق أكثر.

والحقيقة جميعنا نظن ونصرح بأننا متجردون.. ولكن ما هو مقياسنا لتجردنا..؟

أظن أن المقياس العملي للتجرد هو فهم ومن ثم تفهم أو رد وجهة نظر جميع الأطراف والنقائض.. فإذا استطعت مثلاُ أن أفهم, وإن لم أتفهم, وجهة نظر بوش في الحرب على العراق ووجهة نظر صدام في احتلاله للكويت أو شارون في صبرا وشاتيلا أو حماس في عدم تسليمها لسلطة غزة رغم سقوط آلاف الأطفال ضحايا بدون أن أرد أو أسبب هذه التصرفات إلى الهوى والمصالح الشخصية, عندها فقط، أصبح مؤهلاً في مقياس التجرد لأطلق أحكاما هي أقرب للصواب منها للعاطفة.

السؤال الأصعب كيف يمكننا للوصول لهذه الدرجة من التجرد وإن تعارضت مع مسلماتنا؟؟ هنا تلعب ثقافتنا وإطلاعنا الدور الرئيسي في فهم وجهات النظر النقيضة من خلال تجردنا الصرف بالتفكير كما يفكرون على ضوء خلفياتهم التعليمية والاجتماعية والدينية والعقائدية.. فبوش قد كان يرى التدخل في العراق هو الحل الانسب لأمته وشعبه وكذلك صدام في الكويت وكذا الباقين و إن كنا لا نوافقهم فيما آلوا إليه..

لم آتي إلا بسرد ما تحثنا عقولنا عند تكوين رأي شخصي فكثيراً ما كنا نفكر بمدى تجردنا عن غيرنا "الغير المتجردين" بينما يرى الطرف الآخر العكس صحيحاً. ولكن المهم هو أن نتقن مهارة التجرد في عقلنا الباطن وليس الظاهر فقط. لأننا إن لم نفعل ذلك، إختلفنا وإن لم نكن مختلفين!!

السبت، 17 أكتوبر 2009

الأخ المحترم الشيخ الدكتور المهندس أبو محمد الأول....حفظني الله..!!

نشأت الألقاب التي تسبق الأسماء، فيما أظن، خلال العصور الوسطى في أوربا. حيث بدأ استخدام ألقاب مثل الدوق والسير وغيرها لتمييز طبقة النبلاء وعلية القوم عن طبقة الشعب. وعندما غزى العثمانيين أوربا بعد فتح القسطنطينية، تقمص الترك هذه الآلية وصنفوا طبقاتهم لتحوي أفندي وباشا اجتماعيا وإلى ألقاب ذاب طابع عملي مثل مشير وخديوي. ثم نقلوها إلى المناطق العربية التي احتلوها مثل الشام ومصر وبقية الأقاليم العربية الأخرى. وبما أننا ورثنا بعض القوانين العملية من أقرب حضارة عند نشوء المملكة وهي مصر الملقبة بـ"أم الدنيا"، تقمصنا بدورنا بعض هذه الألقاب وأضفنا البعض الآخر توافقاً مع خصوصيتنا. فكان لقب "الشيخ" ذو أسبقية في مجتمعنا يحق لنا أن ندعي حقوق ملكيته الفكرية أو براءة اختراعه.

في الماضي، ارتبط لقب الشيخ في الماضي بعدة مراكز اجتماعية. منها ما هو قبلي أو اجتماعي أو ديني. فكان رأس القبيلة وعترته يسمون شيوخاً. ومدرس الكتاتيب يلقب شيخاً أيضاً. أما الآن فقد أضفنا للمركز الاجتماعي بعداً آخر مثل إضافة لقب شيخ لكل من يملك حفنة من ملايين الريالات ويتأبط بشتاً لسد الفراغ الذي يسبق الاسم. وأكثر من ذلك، أمنعنا في اشتقاق ألقاب مركبة بتر كيم لقب شيخ مع دكتور أو مهندس لنسمي أنفسنا "الشيخ الدكتور" "الشيخ المهندس" وهلم جر...!! حتى أصبحت الألقاب التي تسبق أسماءنا أطول من أسماءنا الطويلة أصلاً. وهنا سارع إخواننا "من غير ما لُقب " إلى الدفاع عن حقوقهم المنتقصة للفوز بنصيبهم من كعكة الألقاب. فحاول المحاسبين (من غير نجاح ملموس) أن يُلقبوا بـ"مح. أي محاسب " أ.. مدرس" أو حتى "ج. للجامعي من التخصصات الأخرى" وكأن عدم وجود لقب ينقص من احترامنا لذاتنا أو احترام الآخرين لنا..!!؟

كانت تبعة هذه الأيدلوجية بحث البعض عن الشهادات الدراسية التي تحقق أحد هذه الألقاب ليزين أسمه ويزهو بها أمام مجتمع يفتخر بما يتقدم أسمه من ألقاب. أصبح الشخص يفني سنيناً من عمره ليكون دكتوراً أو مهندساً أو... أو... و لو كانت هذه الشهادة بعيدة عن توافقها مع إمكاناته الشخصية أو طموحه العملي. وأصبحت, شقق من غرفتين, جامعات (في مصر و اليمن و غيرها) تبيع شهادات لمن لم يستطع الحصول عليها محلياً أو غربياً.

تحول اللقب في مجتمعنا هاجساً في حد ذاته. حتى أني أخجل أشد الخجل عند تقديم أنفسنا أو بعضنا البعض ,في الاجتماعات العملية مع من غيرنا من الأمم, بتعريف أسمائنا مبتدئين بألقاب "الدكتور" و"المهندس" و"المحاسب" و"الجامعي" أو كلها مجتمعة. وأدهى من ذلك، سمعت أحد المتصلين بالـART ، ممن لم يحصل على لقب مُصنف، يقدم نفسه للمذيع ب"معك الأخ المحترم زيد بن عبيد".!!!؟
"لقد أسمعت من ناديت حياً ... و لكن لا حياة لمن تنادي"....

و بما أنني شخصياً لم أستطع أن أغير من حولي بترك الألقاب، فقررت أن أبيع سيارة سائق الإلياذة (
مذكور في مقال سابق) و أشتري بريالاتها شهادة دكتوراه من جامعة كفر الطاووس يكون موضوع طرحها "تصنيف الألقاب لمن لم يُلقب", و أبتاع بالمتبقي حافلة من صنع تاتا الهندية لأتبرع بها لأحد الأندية المشهورة لنقل البراعم, ثم أُضيف لقب شهادتي الجامعية في الهندسة التي طالما تمنعت عن استخدامها لأصبح "الأخ المحترم الشيخ الدكتور المهندس أبو محمد الأول........ حفظني الله".