الجمعة، 19 فبراير 2010

فنتازيا بيروت.. من على رصيف السوليدير


بيروت ... هذه المدينة الأجمل بين المدن العربية.. ساحرة جيل السبعينات العربي وملهمة المثقفين منه.. عانت الكثير من الويلات بسبب انفتاحها في عالم الإنغلاق فكانت متنفس مكبوتي العالم العربي عموماًِ ومواطني الخليج خصوصاً.

الكثير من الصفات يميز لبنان عن باقي الدول العربية.. أرض حضارات ممتدة ومتتالية، ثقافة شعبها المختلطة، جمال طبيعتها الساحرة، خصوصية شمولها للأعراق والأديان والمذاهب المختلفة، قربها من العدو المشترك، تقدمها الثقافي خلال الجيلين الماضيين والأهم هو اجتماع كل ذلك في كينونة أفرزت التميز بنقاء كنقاء طبيعتها..

المتأمل في بيروت يرى بوضوح تميزها. فتعامل غالبية أهلها الحضاري النسبي يدهش المتجرد حتي يصعب عليه إلصاق صفة العروبة بها. كما أن مغتربيها وزياراتهم السياحية الخاطفة يعكس بعض من جوانب إفرازات تاريخها المعاصر.

زيارتي العائلية السريعة لبيروت أثارت عواصف فكري لحد الإجهاد، فلم أستطع لملمت جميع هذه المتناقضات في شخصية متفردة يمكنني أن أطلقها على بيروت وناسها.. زرت حاضرتها ومعالمها وجبالها وسهولها وتحاورت مع مختلف طبقاتها فكانت الإيجابية طاغية في أغلب الإستنتاجات لم يشوبها إلا باعة السوليدير ورواده..

فالسوليدير ساحة دائرية تحفها المطاعم والمقاهي والقليل من المحلات وفي منتصفها نصب في أعلاه ساعة رولكس يطوف بها السياح العرب وخصوصاً أباعر الخليج متوشحين أغرب الهندام مستعرضين في الجمع بين أغلى الماركات العالمية، من فئة نار الله الموقدة.

ولهؤلاء الرواد طقوس لا يحيدون عنها كل ليلة منذ نزولهم حرم السوليدير حتى انقضاء عمرتهم. حيث يتم النزول من السيارات الفارهة عند المدخل الرئيسي مع مراعاة عدم الإلتفات أو النظر لمن ينتظرون سياراتهم ثم السعي من خلال الممر الرئيسي الذي يحوي مطاعم النصب المحترمة ومن ثم إلقاء نظرة من خلال الإلتفاتة بكامل الجذع (وليس بالرقبة فقط) وكأنهم متعطرين بالنشاء الخاص بالملابس.. وبعد ذلك نزول الساحة لأداء طواف القدوم بعدد يزيد حسب الأجر المرجو لجس نبض المتواجدين والإعلان عن القدوم.. ومن ثم الإتجاه إلى نفس الطاولة الذي يجلسون عليها كل ليلة مباركة. ويراعى خلال الجلوس عدم الكلام إلا بما قل ودل ثم إكمال الخشوع على الأجهزة الجوالة من خلال التحديث المستمر للبحث عن أجهزة بلوتوث جديدة في المدى. وبالأخير طواف الوداع في الساحة معلنين إنتهاء حضورهم الشريف ليقفلوا البلوتوث ويتجهون إلى المدخل الرئيسي منتظرين سيارتهم الخاصة رامقين الآتين الجدد كما رمقوا من قبل..

أما زوار السوليدير أمثالنا، فلا نصيب لهم من المقاهي إلا الطاولات الداخلية المقابلة للحيطان أو رصيف ساحة السوليدير المباركة لأن الحصول على طاولة مطلة على الحرم يتطلب صبراً وجلداً وجهاداً لا نعرفه ولا نطيقه لو عرفناه.. لذا كان الرصيف الخيار الأنسب والأقل تكلفة وبحقيقةٍ الأمتع لمشاهدة "المزاين" ومن ثم حمد الله على نعمة العقل التي من بها علينا...

هناك سؤال وحيد لازال يحيرني... كيف يمكننا اللبس بطريقة تميزنا حتى ولو لبسنا نفس الماركات والألوان الذي يلبسها باقي البشر وإن حلقنا حواجبنا ورفعنا تسريحة أعرافنا؟؟

الخميس، 11 فبراير 2010

تعريف الحب.. بعقلانية مجردة

الحب كلمة أشغلت جميع الشعوب في كل الأزمنة.. ورغم ذلك لم يتوصل مجموعة معتبرة من بني البشر لتعريف مجرد لحدود وتشاكيل هذه الكلمة المعضلة.. فالحب هو مزيج من العواطف التي تتشكل من خلال دورات مشاعرية متعددة يصعب على الباحث رسم خطوطها العريضة مهما توغل في أعماق أفكاره السحيقة..
ولو أستطعنا أن نبحثها بعقلانية متجردة، كما لم يبحثها جل الباحثين والمتفلسفين من قبل، لتوصلنا إلى نتيجة قاسية لم ولن يقبلها المحبين على إختلافهم. لكننا سنحاول وحسبي الله ونعم الوكيل مقدماً..

ولأن الناس تحب بعواطفها لا بعقولها، نجد التذمر من الطرف الآخر أحياناً والسادية في أحيانٍ أخرى هي الطاغية في معادلة الحب ذات العوامل المتغيّرة والمتعددة لتكون مستحيلة الحل في الفضاء العقلي المجرد.

الحب في نظري هو عبارة عن تيارات عاطفية متدفقة تنشئ من فروقات في مستويات الفكر أو الحالة الإجتماعية أو التناغم الجسدي المحض بين المتحابين. لذا نجد من يملك شخصية متميزة أقرب أن يُحَب من أن يُحِب لأن التيار يكون في إتجاه فردي بسبب كون مستواه أعلى من الطرف الآخر ومما يولد فرق الجاذبية ومن ثم تدفق المشاعر ليكون الطرف الأعلى هو المسيطر في هذه العلاقة. ومتى ما خفت تدفق هذا التيار خفت الحب معه من خلال دورات الزمن المتغير.

وهنا يبرز سؤال مهم عن طبيعة الحاجة إلى الحب وبحث أغلب الناس الدائم عنه..
فهل الحب ضرورة بشرية سنها الله في غرائزنا؟؟
أم أنه كمالية إكتسبناها على ضوء إستحضار المجتمع المحيط لهذه المشاعر وإستثارتها؟؟
الجواب المفصلي هنا يصعب مثل صعوبة تعريف الكلمة لأنه يتطلب إستجلاب تاريخ الأمم التي قبلنا والتي تناقلت حضارتها عبر الزمن لتصل إلينا عواطفها ومشاعرها والتي لم توضح بجدية في كتب التاريخ الغابرة..

وقد يكون الأنسب لإجابة هذا السؤال هو بحث عواطف الأمم المنقطعة عن بقية العالم مثل شعوب أستراليا وغابات الأمازون بُعيد دخول المستعمر المادي وقبل إختلاط الفكر من الطرفين..

وإن كان لنا يجب أن نحب.. فليكن مثلما أحب جرير القائل:

ياأم يا أم عمرو جزاك الله مغفرة **** ردي علي فؤادي كالذي كانا
ألست أملح من يمشي علـى قـدم **** يا أملح الناس كل الناس انسانا
يلقى غريمكم من غير عسرتكم **** بالبذل بخلا وبالاحسان حرمانا
قد خنت من لم يكن يخشى خيانتكم **** ماكنت أول موثوق به خانا
لقد كتمت الهوى حتى تهيجني **** لا أستطيـع لهـذا الحـب كتمانا
كاد الهوى يوم سلمانين يقتلني **** وكـاد يقتلني يوما ببيدانا
لا بارك الله في من كان يحسبكم **** الا على العهد حتى كانا ماكانا
لا بارك الله في الدنيا اذا انقطعـت **** أسباب دنياك من اسباب دنيانا
مااحدث الدهر مما تعلمين لكم **** للحبل صرما ولا للعهد نسيانا
ان العيون التي في طرفها حور **** قتلتنـا ثم لم يحين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لاحراك به **** وهن اضعف خلق الله اركانا
ياحبذا جبل الريان من جبل **** وحبذا ساكن الريان من كانا
وحبـذا نفحات من يمانيه **** تأتيك من قبل الريان احيانا

السبت، 6 فبراير 2010

عجلة السعادة.. بين السعي والتحقيق

السعادة....

لو سألنا ما هو تعريف السعادة لإختلفت إجاباتنا على ضوء منظور وخلفية ومرحلة كل منا..
فنجد المحتاج يعرفها بسد الحاجات ولو سدت حاجاته عرفها بتوفر الكماليات ولو توفر كمالياته لساح في فلسفة فكره وعرفها بقناعات طرقها من كان قبله وإن إختلفت اللغات.. ولو تعمق أكثر توصل إلى اللاشيء ليجد نفسه قد فقد سد حاجاته ليعود جارياً وراء ها في عجلة تدور كما يدور الزمن بلا إنتهاء وإن إختلفت الأدوار...

وفي تحسس لهذه الدورة نجد أن النسبية هي المسيطرة على بلوغ هدف السعادة.. فالنسبية تلتزم البداية من وضعية ومن ثم الإرتقاء إلى وضيعة أفضل منها مع بلوغ الهدف المرحلي الذي يصبح بالتالي كالسراب عند بلوغه لنبحث بعده عن هدف أو سراب آخر نسعى لتحقيقه..

وغالباً ما يختلط علينا سعادة السعي لتحقيق الهدف وسعادة تحقيقه... وهذا هو الإختلاف الجوهري بيننا وبن الشعوب الواقعية حيث تجدنا نتجرد من سعادة السعي إنحيازاً لسعادة التحقيق مما يفقدنا لذة الحياة في أغلب مراحلها لأن مدة السعي تفوق بكثير لحظات إدراك تحقيق الهدف..

هذا بالغالب يجعلنا نعيش التعاسة جل فترات أعمارنا لأنها فترات سعي مما يفرز السلبية السائدة في مجتمعنا متذمرين من الواقع ساعين مجهدين لتحقيق سعادتنا لا متخذيها كطريقة للحياة..

الأحد، 27 ديسمبر 2009

مقومات نشأة حضارات الأمم (2/2)..

"الجزء الثاني"

ذكرنا في الجزء الأول أمثلة من الحضارات العظيمة التي نشأت في البلاد التي تملك المقومات المادية من ماء وثروات طبيعية وتعداد سكاني. ولكن ماذا عن الحضارات التي إنطلقت من البلاد التي لم تملك هذه الثروات وإنتشرت رقعتها في أرجاء المعمورة مثل الحضارة المغولية والحضارة الإسلامية؟

في رأيي أن هذه الحضارات إستعاضت عن نقصت ثروات أراضيها بقوة الأيدلوجية. حيث كانت أيدلوجية الحرب والشجاعة هي العامل الذي عوض نقص المغول للغذاء والمعادن والغذاء والعلم. ثم لم تلبث أن إستولت على بقايا الحاضرة الصينية وأراضيها الغنية بالثروات لتكون وقود حضارتها الذي غزت بها أغلب العالم القديم. ولكون أيدلوجية الحرب المتطرفة لا تكفي للإستمرارية، تبنى المغول وقائدهم العظيم جنكيز خان جوانب النقص في الإيدلوجية من علوم مادية ووسائل متقدمة في عصرها من الحضارتين الصينية ومن ثم الهندية ليقحم في الحضارة التي قاد بدايتها.

أما الحضارة الإسلامية فنشأت في أحد أقفر بقاع الأرض أو ما يسمى جزيرة العرب. ولكن قوة الأيدلوجية السماوية الكاملة كانت وقوداً كافياً في بدايتها. ثم كان مفصل التحول هو الإستيلاء على بقايا الحضارتين الفارسية والرومانية في الشام والعراق وبلاد فارس و خيرات شمال أفريقية فأمدتها بالغذاء والأعداد البشرية اللازمة لنشأة حضارتها. مما أكمل عقد مقومات قيام حضارة مستمرة سادت أغلب العالم لمئات من السنين. وكانت القيادة المخلصة ممثلةً بالنبي القائد محمد قدوة أحتذى بها أبناء هذه الأمة ثم حادوا عنها كما هي سنن من كان قبلهم من حضارات فتفتت هذه الحضارة إلى ما نعيش به من دويلات.

وتنطبق هذه المعايير على الحضارات الموشكة على الاضمحلال مثل الحضارة اليابانية الثانية والأوروبية الثائرة على الكنيسة أو المعاصرة مثل الحضارة الأمريكية الممتدة من الحضارة الأوروبية أو الناشئة مثل الحضارة الصينية الثانية.

وعليه نجد أن نشأت حضارة الأمم تستلزم وجود العوامل الرئيسية الثلاث من ظهور أيدلوجية عملية ومقومات المادية وقيادة مخلصة.
ولو جاز لنا قراءة مستقبل العالم المعاصر على ضوء هذه الإستنتاجات، لتوصلنا إلى نتائج إحتمالية في توقع الحضارات القادمة.

حالياً الحضارة الصينية الثانية واضحة المعالم بشكل كبير. فتبني الأيدلوجية الشيوعية وتعديلها لتصبح أقرب إلى الإشتراكية كان محور قيام حضارتهم المعاصرة. كما لا ينقص الصين عامل ثروات طبيعية أو أعداد بشرية ولا قيادة مخلصة. ولكن معدل إنحدار إخلاص القيادة مقابل إستغلال الثروات يمثل الخطر الأعظم في إستمرار هذه الحضارة وتوسعها. وإذا ما إجتازت هذا الخطر سيكون توسع الصينيين وإستيلائهم على الأراضي المجاورة آتي لا محالة في السنوات العشرين القادمة.

أما عن الحضارات التي في طور النشوء، فأبرزها الحضارة الهندية الثانية والتي تملك حالياً مقومات الأيدلوجية المستمدة من حضارة الفيدا البائدة والقيم التسامحية التي إكتسبتها خلال القرون المديدة الماضية. كما تقوم الهند الحالية على أحد أغنى بقاع الأرض وتملك كثافة سكانية تمثل سدس سكان الأرض الأحياء. وقد كان لغاندي أعظم الأثر في إنطلاق شرارة حضارتهم المحتملة ولكن لم يكن لها ما كان للصين في توحدهم على أيدلوجية عملية. فكان تناحر الأديان العامل المؤخر أو المنهي لهذه الحضارة الناشئة.

أما عن الحضارات المحتملة النشوء على ضوء العوامل الثلاث، فهي حضارة أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا (أندونيسيا وماليزيا) ويمكننا مجازاً القول الحضارة الإسلامية الثانية التي يمكن أن تنطلق من شبه الجزيرة العربية. ولكن أمريكا اللاتينية ينقصها الأيدلوجية العملية والجديدة التي يحفزها ظهور قيادة مخلصة. فالتصوف المسيحي لازال قابعاً في مؤخرات عقلوهم. وهو ما ينقص أيضاً جنوب شرق آسيا حيث يسيطر التصوف الإسلامي على أبناء شعبها بشكل كبير.

أما نحن فنملك المقومات المادية من الوقود الأحفوري يمثل نصف إحتياطي العالم ومعادن حبانا بها الله قد يمثل بعضها سلع إستراتيجية مماثلة للنفط تساند نشوء حضارتنا من جديد. كما لازلنا نحتفظ ببقايا أيدلوجية الإسلام الكاملة والتي حيد بها عن الصراط المستقيم عبر الزمن.
فما الذي ينقصنا لنقوم بحضارتنا من جديد؟؟

أعتقد أن الزمن هو العامل الذي سيحدد نشوء حضارتنا من عدمها. فالأيدلوجية موجودة ولكنها تحتاج إلى تقويم لتصبح عملية. ففي الماضي القريب لم تنجح أيدلوجية التطرف اليمين السائد في المملكة وبعض دول الخليج في نهوضنا كحاضرة كما لم تنجح أيدلوجية الأخوان المسلمين لعدم إخلاص قياداتها. كما لم يساعد التعداد البشري المقومات المادية في تحفيز التقدم حيث لازلنا أقلية بالنسبة لسكان الأرض. فهل نحن في الطريق الصحيح؟؟

تشير الإحصاءات السكانية أن منطقة الخليج العربي (أو الفارسي الغربي) هي أكثر المناطق نسبة في النمو السكاني. وهو ما سيساعد في تخطي عقبة التعداد المطلوب في نشأة الحضارة عبر السنين القادمة. ولكن الأيدلوجية الحالية تحتاج إلى الزمن أيضاً لتقويمها وإن كانت البوادر إيجابية في ذلك. كما أن نظام الملكية السائدة يضمن بعض الإستقرار المطلوب لنشأة الحضارة وإن كانت تحتاج إلى التقويم الذي، كما أراه، يسير إيجابياً على ضوء القيادات الجديدة لحكام المنطقة ومن خلال تزايد الشفافية ومشاركة العامة بالقرارات المصيرية. وهو ما يهيئ لظهور القيادات المخلصة التي تتبنى الأيدلوجية القويمة لاكتمال عقد مقومات الحضارة المنتظرة؟

في النهاية، عشرات السنين لا تمثل الكثير في التاريخ وقد نحتاج إلى مئة إلى مئتي عاماً أخرى قبل ظهور حضارتنا من جديد. وما علينا إلا المساهمة في تصحيح أيدلوجيتنا والتفكير الإيجابي في السعي إلى خدمة حضارتنا..

الأحد، 29 نوفمبر 2009

مقومات نشأة حضارات الأمم (1/2)..

"الجزء الأول"

عند قراءتنا لتاريخ حضارات الأمم الفانية والحاضرة، نجد بوضوح أن كل أمة منها ارتكزت إلى على ثلاث عوامل رئيسية في نشأة حضارتها وهي المقومات المادية والأيدلوجية عملية ومن ثم ظهور القيادة المخلصة والحازمة التي تجمع العامة على الأيدلوجية المشتركة وتستثمر المقومات المادية لخدمة الغالبية العظمى من الشعب أكثر من الاستئثار بها للخاصة القليلة..

ويبسط علماء الاجتماع المعاصرين المقومات المادية بثلاث أخرى أولاها الطاقة البشرية وهي تواجد أعداد من البشر يجمعهم التاريخ (الأصول و اللغة أو أحداث مشتركة) أو الجغرافيا (سواء كانت مادية كطبيعة وتضاريس أو حدود بقايا دول منحلة) ومن خلال أيدلوجية مشتركة. على شرط أن يكون تعداد هذا الشعب مضاهي للحضارات المتزامنة خلال نشوء هذه الحضارة.
وثاني المقومات المادية هو الثروات الطبيعية التي تمول نشأة هذه الحضارة لتمدها بالمال والغذاء الكافي لأفراد الشعب مما يحول دون انشغالهم في تأمينه عن القيام بنهضة الأمة. وثالثها أضيف لاحقاً هو وجود رأس المال الذي يطلق شرارة استثمار الثروات الكامنة في الأرض.

أما الأيدلوجية العملية فيمكن اختصارها في كونها نظرة فكرية شاملة يجتمع الغالبية العظمى من الشعب في الإيمان بها وإتباعها. ووصف "العملية" هنا أساسي في تكوين حضارة منبثقة على ضوءها حيث لا يمكن للأيدلوجيات المتطرفة أن تقود حضارة لمدة طويلة.

وعندما نعدد أكبر الحضارات في التاريخ المعروف يجب أن نبدأ بالحضارة السومرية وبناتها البابلية والآشورية. لنجد أن هذه الحضارات الثلاث نشأت في بلاد الرافدين حيث المياه العذبة والأرض الخصبة وهي الثروات الطبيعية الأهم في زمن بداية العلم. كما قدر عدد البشر في تلك المنطقة زمن الحضارة السومرية, والتي تعد من أكثر الكثافة سكانياً في الأرض المعروفة, ما يعادل مئات الآلاف القليلة قد لا تصل للمليون الأوحد. حيث يقدر عدد السكان في 12 مدينة رئيسية 24 ألف نسمة في كل منها. ويمكننا أن نستنبط بعض أوجه أيدلوجيتهم من آثارهم القليلة المتبقية ومن خلال المعابد التي كانت محور الحياة العامة بالإضافة إلى الأخلاق والقوانين التي وجدناها في شرائع قانون حمورابي الذي يعده بعض المختصون من القوانين التي تنبأ بأيدلوجية حضارة متقدمة بالنسبة لزمنها. أما القيادة المخلصة فيكفينا الاقتباس
التالي:
"وفي ذلك الوقت نادتني الآلهة، أنا حمورابي، الخادم الذي سررت من أعماله، .... والذي كان عوناً لشعبه في الشدائد، .... والذي أفاء عليه الثروة والوفرة....، أن أمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء وأنشر النور في الأرض، وأرعى مصالح الخلق"
قانون حمورابي – المقدس


ولو طبقنا نفس المقياس لوجدنا الحضارات العظيمة الأخرى لا تحيد كثيراً عن هذه الثوابت. فالحضارة المصرية الفرعونية نشأت بين أحضان النيل الخصبة وكان الفراعنة المؤلهين قواد منهم الحكماء مثل (مينيس) الذي جمع أقطار البلاد وأخناتون "الملك المارق" الذي دعا إلى نبذ الآلهة وعبادة رب أوحد ومنهم دون ذلك وبتعداد سكاني كبير نسبياً تراكم عبر العصور قد يدلل عليه عمل 100 ألف رجل في بناء بعض الأهرام لمدة عشرين سنة. ولتدليل أيدلوجياً يقول أحد ملوك الفراعنة أمينمحيت:
"كنت رجلاً زرع البذور وأحب إله الحصاد
وحياتي في النيل وكل وديانه،
ولم يكن في أيامي جائع ولا ظمآن،
وعاش الناس في سلام بفضل ما عملت وتحدثوا عني".

ثم الحضارة الهندية الأولى التي كانت مهد كتب الفيدا الداعية للتوحيد وفي أرض فيها كل ما يتمنى البشر من المياه العذبة والأراضي الخصبة والمعادن ولم ينقصها قواد عظماء مثل تشاندرا قوبتا موريا. ولنقتبس من تراث الهند البعيدة نقلا عن موسوعة قصة الحضارة:
"أسمى الحقائق هي هذه: الله كائن في الأشياء كلها، إنها صوره الكثيرة، ليس وراء هذه الكائنات إله آخر تبحث عنه... إننا نريد عقيدة دينية تعمل على تكوين الإنسان... اطرح هذه التصرفات المنهكة للقوى وكن قوياً... ومدى الخمسين عاماً المقبلة... لنمح كل ما عدا ذلك من آلهة من صفحات أذهاننا، جنسنا البشري هو الإله الوحيد اليقظان، يداه في كل مكامن، قدماه في كل مكان، أذناه في كل مكان، إنه يشمل كل شيء... إن أولى العبادات كلها هي عبادة من حولنا... ليس يعبد الله إلا من يخدم سائر الكائنات جميعاً"
فيفيدكاناندا

الخميس، 26 نوفمبر 2009

تبسيط آليات إستقبال المدخلات الحسية

لو تناولنا عمليات تكوين الآراء الشخصية من خلال منظور هندسي مبسط جاز لنا ما لم يجز لغيرنا في تبسيط هذه العملية هي الأقرب لبدائية التفكير عند الإنسان الأول.

فكل منا يطور المقاييس الفكرية النسبية لفهم سيل المعلومات الداخلة لعقله. ليكون النظر (القراءة والمشاهدة وترجمة لغة الجسد) والاستماع (ترجمة المعاني والنبرات) واقل منهما الحس هي المداخل الاساسية للمعطيات التي تحللها عقولنا ومن ثم تبرزها مشاعرنا لنطلق أحكامنا (المخرجات) على كل ما ننظر أو نستمع أو نحس.

ولو أردنا تقنيين هذه الآلية علمياً لجرفتنا أمواج وأعاصير عقولنا المعقدة في متاهات سحيقة لنضيع الفكرة الرئيسية المراد معالجتها. فيختلط حابل أفكارنا بنابله لنخرج في أغلب الأحيان بفكرة ضبابية تحنف بنا عن فهم ووعي شمولية المعلومة ومن ثم دقة مخرجاتها. لذا كان التبسيط هو الوسيلة الأنسب لضمان استمرار ثبات المعايير النسبية في التحليل الذي ينتج مخرجات متناغمة.

فكيف لنا تبسيط هذه الآليات المعقدة لاستقبال المدخلات من دون اهمال شمولية المعلومة؟؟

في إعتقادي إن تطوير مهارات فكرية ضرورية هو الأنسب للوصول لهذا التبسيط. المهارة الأولى الأساسية لفهم ووعي المعلومة هو الإطلاع المبدئي. بحيث يكون هذا الإطلاع شامل لمجموعة من المعلومات المجردة التي تقبل أقل قدر من الإختلاف بين أعضاء مجموعة البحث. فإذا توصلنا لهذه القاعدة كان طريقة البحث والتحليل هي الفيصل في توافق الأحكام الناتجة (المخرجات) من آلية العملية البحثية الكاملة.

هنا تأتي الحاجة للمهارة الثانية في عمل آلية التحليل الفكري الشخصي والتي تبسط هذه العملية المعقدة والمرهقة وهي الأصعب والاكثر استنزافاً لخلايا العقل البشري المعقد أصلاً..!! عن نفسي، لم أجد أفضل من التجرد قياساً وآلية قد تضمن، بنسبة جيدة، شبه ثبات لمخرجات العمليات الفكرية التحليلية. هذا يقودنا إلى الحاجة لتطوير مقياس عملي للتجرد حتى لا نتيه من جديد..!

أظن أن المقياس العملي للتجرد هو فهم ومن ثم تفهم أو رد وجهة نظر جميع الأطراف والنقائض وهو أقل ما يؤهلنا في مقياس التجرد لإطلاق أحكاما هي أقرب للصواب منها للعاطفة. و للوصول لهذه الدرجة من التجرد، وإن تعارضت مع مسلماتنا، يتحتم علينا وعي وجهات النظر النقيضة من خلال تجردنا الصرف بالتفكير كما فكر الطرف الآخر على ضوء خلفياته التعليمية والاجتماعية والدينية والعقائدية..

فإذا ما إطلعنا وأتقنا تجردنا، كانت مخرجات أحكامنا أقرب للصواب الثابت وأدعي للإتفاق مع المتجردين الآخير لنصبح في نطاق طبقة الأغلبية الواقعية البعيدة عن أهواء العواطف.

الخميس، 12 نوفمبر 2009

بتجرد.. حالة زيد

نشأ زيد في بلدة جبلية صغيرة وفي مجتمع اتخذ من المذهب العقائدي والعادات والتقاليد السائدة أحكام يعيش على ضوءها ويدندن حولها. لم يكن له طموح أكبر من أن يعيش في مستوى مدني يتناسب مع ما من الله عليه في أرضه ساعياً لطلب الرزق من خلال ماشيته المتواضعة وبفهمه وتفهمه لجيرانه وإخوانه من خلال ما تعلم من معلمه الذي كان يقود القرية الجبلية.

ولكن ثورة بعض إخوانه على معلمه وتسلمهم زعامة القرية، انتقصت بعض من حقوقه العقائدية حسب رأيه. و أمر من ذلك، سلبت بعض حقوقه المدنية المتواضعة أصلاً. فما كان منه إلا أن لجأ إلى زعماء المدينة البعيدة الذين مدوا له يد العون في الظاهر رغم إضمار نصرت عقائدهم بإيجاد أتباع جدد تتقاطع معهم بالمصالح وشيء من العقائد رغم أن عقائد زيد أقرب لإخوانه منها لهم.

فاستغل زعماء المدينة البعيدة ذلك الانتقاص في الحقوق ليكون مدخلهم للتأثير على عقائد زيد لتحقيق أهدافهم المبطنة. فأمدوه بالمال لفينة من الزمن حتى يعتمد عليهم ولا يستطيع أن يعود لسابق معيشته البسيطة. فما كان منهم إلا أن بدءوا بفرض آراءهم عليه ليثور على إخوانه. فمدوه بالسلاح والعتاد لاستعادة بعض حقوقه المغتصبة مما قاد إلى معارك عائلية دامية خسرت على ضوءها قريتهم العديد من الأرواح والأنفس والأموال الشحيحة أصلاً.

ومع انتشار رقعة المعركة، لقوة إخوانه النسبية واستمرار دعم زعماء المدينة البعيدة، لتصل إلى حدود القرية المتاخمة للمدينة القريبة. ورغم أن هذه المدينة القريبة قد استقبلت ودعمت معلمه عند تهجيره من قبل إخوانه، إلا أن غبار المعركة أصاب بعض سكان المدينة القريبة مما أثارها عليه لتدخل المعركة بقوتها وعتادها فاختلط الحابل بالنابل وصار زيد في موقف من يدافع على أكثر من جبهة مع أكثر من أخ.

حزن زيد على فقده لأبنائه وعدم الاستفادة من أموال القرية البعيدة لتحسين مستوى معيشته وحزن إخوانه لتقويض سيادتهم وحزنت المدينة القريبة لاجترارها لمعركة لا ناقة لها فيها ولا جمل. كما فرح زعماء المدينة البعيدة لخدمة هذه المعركة لأهدافهم غير المعلنة، بتورط المدينة القريبة المختلفة فكريا معهم، بالمعركة.

وفي النهاية، لم يجد زيداً خلاصاً لمشاكله ولم يربح أخوانه سيطرتهم وغاصت المدينة القريبة في حرب استنزاف وتشتت وربح زعماء القرية البعيدة بدعم أهدافهم...

الثلاثاء، 3 نوفمبر 2009

بين وصايتي اليمين واليسار!! لم ينجح أحد

إكمالاً لمواضيعنا عن الحصانة, ومن خلال نقدنا في المقال السابق" للمرحلة الانتقالية", تتجلى لنا رؤية أطراف النزاع القائم بشكل أوضح كلما تجدد حدث كبيراً كان أم صغيرا. فكلمة لأحدى طرفي النقيض يمكن أن تثار وتضخم من قبل النقيض الآخر لتصبح معركة في الإعلام الرسمي.

شاهد ذلك هو كلمة صالح الحصين عن تعريف الوطنية ورد عبدالله الفوزان عليه ثم تتابع الناقدين والمؤيدين من الطرفين بسخرية تجعلنا نتساءل عن ماهية الهدف من هذه المعركة!!؟؟ فهل المراد هو الإصلاح من الطرفين أم هو فرصة لتحقيق مصالح شخصية لأي من الأطراف!؟

عن نفسي, فدائماً ما أقرأ مقالات المعارك الاجتماعية بحميمية لفهم ما تحمل من مشاعر وتوجهات شخصية. فإذا ما استنتجت أن كاتب المقال يبحث عن التقارب اكثر من الاقتصاص أو إبهار القارئ, كان الجانب الإصلاحي هو الطاغي في فكر الشخص. فالتوصل إلى نتائج يكون من خلال السعي إلى التقارب أكثر منه من خلال الإقصاء المباشر. فإن كان الشخص يملك فكراً مناسباً للزمن المناسب ومخلصاُ في إصلاحه, غنم جميع المكاسب من نصرة فكره واجتذاب المؤيدين وكشف عدم سعي الطرف الآخر للإصلاح من عدمه وفوق ذلك كله إبهار المتلقين والمتفرجين. اما اذا كان الكاتب يحاول تصيد الاخطاء وبشخصية، كان الحكم السلبي هو الطاغي.

مشكلتنا كمتلقين, أن تيار اليسار الحالي نشأ وترعرع أصلاً في كنف التيار اليميني. ففهم غاياته وأساليبه, وفوق ذلك أصبح يطمح لتحقيق نفس المصالح والمكاسب التي تمتع بها الطرف اليميني لعقود عديدة. فعلى ضوء المتغيرات الحديثة في شفافية وحرية الإعلام من صحف وشبكة عنكبوتيه وبريد الكتروني, إضافة إلى سعي الدولة للحيادية على قدر المستطاع, انكشفت ظهورنا وغدينا غنيمة سائغة لكل من أراد أن يفرض علينا فكراً جديداً أو إشباعا لشهوته من السلطة والتسلط..!!
أصبح صراع تولي الحصانة على المجتمع هو الهدف أو الوسيلة التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف فكريةً كانت أم شخصية, وللأسف من كلا الطرفين.

فطرف اليمين وفارس معركته هذه المرة يطلب من الطرف الآخر الاستعانة بطلبة علم شرعي ليفهم فحوى كلامه؟؟ هنا تنكشف خفايا الغايات بشكل كبير. طرف اليمين بدأ يفقد امتيازات تزعم المجتمع فكريا!!. فقد أصبح العامة (كما يسموننا) يفكرون في الحدث ذاته ومن خلال عقولهم وهو ما لم يعهدوه منهم في العقود الماضية بتسليم الفكر لأهل العلم المؤهلين لألا يصبحوا "عقليين" مثل "القصيمي" و "العياذ بالله"!!!
أما فارس اليسار الذي من المفروض أن يكون مدرساً لمراحل عليا, يرد باستهزاء بقوله أنه استشار بعض أهل العلم ولم يصل إلى فهم ثابت لفحوى فهم الطرف الآخر!!! ثم ينتقل لنقد الأجهزة الحكومية لعدم تطبيقيها توصيات الحوار الذي يرأسه الفارس اليميني. ثم يكمل الباقين مداخلتهم ببعض التعابير المعممة لا يرجى منها إلا تهميش العامي لنفسه وإبهاره من غير غاية محددة!!؟ أو الانحياز ودعم أحد الأطراف على حساب الآخر دون نقد الحدث ذاته واحتماليات التوافق لخدمة الهدف الأسمى..

هنا فقط أطلقت العنان لاستنتاجاتي السجينة، حيث اتضح صير معركة الأطراف المتناحرة إلى معركة مصالح شخصية صرفة لا يرجى منها أي حلول تضيف إلى المجتمع ونماءه.

لقد افترضت عدة تعهدات في بداية تدويني.. ولكني ها هنا انقض أولاها في هذه المقالة لأكون تقريرياً وبدرجة اقل من التجرد الذي ارتضيته لنفسي!!

السبت، 31 أكتوبر 2009

مجتمع المتذمرين…!!

أجمل ما في حضارة الأمريكان السطحية (لحد ما) تصنيف الفئات السلبية في المجمع ونبزها بألقاب خاصة. فإما أن يحذر الشخص من الوقوع في هذه الفئة أو يتم عزل تأثير عضوها على المجتمع. لذا تجدهم يصنفون من يكره الجديد ويرى أن القديم دائماً أفضل بـ"ماضيين" ومن يختلف في اللبس والتصرفات عن باقي العامة بـ""geek أي شاذ أو غريب. ومن يكثر التذمر بـ"متذمر" أو "متضجر". وعن مجتمعنا, فنحن كثيراً ما نقع في الأولى وقد نحتاج الثانية قريباً ولكننا نعيش الثالثة كظاهرة!!

في أي مجلس من مجالسنا من الجنسين ومن جميع الفئات السنية تجد التذمر هو الطاغي على أغلب الأحاديث اجتماعية كانت أم اقتصادية أم تاريخية أم أم.... تجد الرجل يتذمر من زوجته وأولاده وكذا الزوجة وكذا الأولاد. تجد 99% من الموظفين غير راضين عن وظائفهم أو مدرائهم أو سياسات شركاتهم أو وزاراتهم. تجد الجميع يتذمرون من الجو والعمل وغلاء المعيشة وحالة الشوارع والدولة التي لم ترد لهم خسائرهم في الأسهم إضافةً إلى جميع من يأتي ذكره من غير الحاضرين!!! تجد مقالات التذمر (لا أسميه نقداً) مثل "عقال الوزير" ومقال الإكس شيخ عن الغربي "الذي لديه ولدان أحدهما مهندس والثاني طبيب" يرسل لك بالبريد الإلكتروني من عشر أشخاص عند صدوره ومرة بالشهر عند اللزوم..

فنحن نتذمر من إسفاف التلفزيون والمسلسلات الخليجية والفيديو كليب لنشاهدها متى ما حانت الفرصة. نتذمر من غلاء المعيشة وكثرة المكوس مقارنة بالغير رغم كون المملكة من أرخص الدول الغنية معيشة ومن أعلاها كصافي دخل (كنسبة المتبقي من الراتب إلى الإجمالي بعد خصم الاستحقاقات الرئيسية). تجدنا نتذمر من تحويلات الطرق ثم بعدها مباشرة نتذمر من عدم وجود الخدمات. نتذمر من سوء القيادة في شوارعنا وننسى أن هؤلاء القواد هم أنا وأنت. تجدنا نتذمر من الرياض وجدة والدمام مقارنة بجدة والدمام والرياض.

أصبح المجتمع ينظر إلى كل الأمور بنظارة شمسية سوداء يرتديها ليلاً نهاراً. فدأبنا لا نرى إلا السلبيات من الأمور حتى اعتدناها كحياة واستمتعنا فيها بسادية. أضحى الكثير منا غير منتجين لأن التذمر عدو الإنتاج والنجاح رغم أننا نملك وبقوة جميع عوامل النجاح. فنحن نملك الشعب كطاقة بشرية ونملك أعظم الثروات الطبيعية لتمويل النهوض بحضارتنا ونملك حكومة مستقرة تضمن تراكم هذه الحضارة من دون انقطاعات قسرية. رغم هذا وذاك, تجدنا أكثر من يصدر مهاجرين كنسبة من الدول غنية!!

فما هي المشكلة؟؟ وما هي الحلول؟؟
هل المشكلة أننا لازلنا نسمي التذمر نقداً رغم أن النقد يتبعه اقتراح حلول وعمل على تنفيذها والتذمر يتبعه التأفف!!؟؟ هل أننا مرفهين لدرجة تجعلنا نبحث عن النقص أكثر من تمتعنا بالواقع!!؟؟ أم نحن فعلاً أتعس شعب على وجه الأرض لأننا أكثر الشعوب تذمراً!!؟؟

في لقائي الأسبوعي في القهوة الغربية مع أحد الأصدقاء ناقشنا الحالة الأممية التذمرية, فتوافقنا, كأغلب الأحيان, على تفشيه كظاهرة مما أوحى إلي بكتابة هذا المقال. ولكن وأنا في نهايته, أرى أننا تذمرنا من ظاهرة التذمر والمتذمرين وذلك إثباتاً لأن نكون عناصر فعالة في المجتمع ولأن لا نكون من الـ"geeks" في مجتمع التذمر.
وختاماً أرجو أن أكون قد تذمرت بالشكل الصحيح عن ظاهرة التذمر لما في ذلك من إراحة للنفس بإلقاء التهم على الآخرين لأكمل باقي أسبوعي رافع الرأس....!!!

الجمعة، 23 أكتوبر 2009

التجرد... مهارة متى نتقنها؟

عندما نكون وجهة نظر شخصية عن حدث ما, تتشكل آراءنا من خلال مجموعة من العوامل يمكنها أن نصنفها زمنيا بالخبرات والمواقف الشخصية و المسلمات العقائدية أو الاجتماعية (الماضي), واقع الحدث (الحاضر) وتوقع التبعات (المستقبل).

و إذا افترضنا تقارب وضوح واقع الحدث للجميع, وكان استقراء وتوقع التبعات هو نتيجة لما يسبقه, أصبحت خبراتنا ومواقفنا الشخصية العامل الوحيد المسبب لإختلاف وجهات النظر.

رغم كون واقع الحدث هو ذاته للطرفين, إلا أن هذه الوجهات قد تتباين لدرجة قد تتسبب في أزمات أو حتى تقود إلى حروب مدمرة. لا أتحدث هنا عن صراع المصالح بين الأشخاص أو الدول لأن هذا شيء آخر قد يكون حتميا في أحيان كثيرة. ولكني أتحدث عن تباين وجهات النظر الخاصة أو المؤطرة التي تقود لهذه الاختلافات ومن ثم الخلافات.

فنحن نرى كيف أن مشجعي فريقين متبارين ينظرون لأحداث مباراة بتباين يجعلك تتساءل "هل كانوا يشاهدون المباراة نفسها؟؟"

فكيف لنا أن نصل إلى أفضل تقييم مشترك لواقع الحدث رغم إختلاف مواضينا لنكوُن أقرب وجهات نظر قابلة للتناغم أكثر منها للتناحر؟؟

عن نفسي، أرى أن التجرد هو أفضل طريقة عملية قد تقودنا إلى الرقي بواقعنا وجعل مواضع إتفاقنا أكثر من إختلافنا. فكلما تجردنا من الأحكام المسبقة عند تكوين الرأي الشخصي كلما كانت آرائنا أقرب وأدعى بأن نتفق أكثر.

والحقيقة جميعنا نظن ونصرح بأننا متجردون.. ولكن ما هو مقياسنا لتجردنا..؟

أظن أن المقياس العملي للتجرد هو فهم ومن ثم تفهم أو رد وجهة نظر جميع الأطراف والنقائض.. فإذا استطعت مثلاُ أن أفهم, وإن لم أتفهم, وجهة نظر بوش في الحرب على العراق ووجهة نظر صدام في احتلاله للكويت أو شارون في صبرا وشاتيلا أو حماس في عدم تسليمها لسلطة غزة رغم سقوط آلاف الأطفال ضحايا بدون أن أرد أو أسبب هذه التصرفات إلى الهوى والمصالح الشخصية, عندها فقط، أصبح مؤهلاً في مقياس التجرد لأطلق أحكاما هي أقرب للصواب منها للعاطفة.

السؤال الأصعب كيف يمكننا للوصول لهذه الدرجة من التجرد وإن تعارضت مع مسلماتنا؟؟ هنا تلعب ثقافتنا وإطلاعنا الدور الرئيسي في فهم وجهات النظر النقيضة من خلال تجردنا الصرف بالتفكير كما يفكرون على ضوء خلفياتهم التعليمية والاجتماعية والدينية والعقائدية.. فبوش قد كان يرى التدخل في العراق هو الحل الانسب لأمته وشعبه وكذلك صدام في الكويت وكذا الباقين و إن كنا لا نوافقهم فيما آلوا إليه..

لم آتي إلا بسرد ما تحثنا عقولنا عند تكوين رأي شخصي فكثيراً ما كنا نفكر بمدى تجردنا عن غيرنا "الغير المتجردين" بينما يرى الطرف الآخر العكس صحيحاً. ولكن المهم هو أن نتقن مهارة التجرد في عقلنا الباطن وليس الظاهر فقط. لأننا إن لم نفعل ذلك، إختلفنا وإن لم نكن مختلفين!!