الاثنين، 8 أكتوبر 2018

هل الرؤية من الهوى؟أم هي ثابتة وتتمدد؟ المستشار والرياضة كمثال!


عندما أعلنت الرؤية قبل ثلاث سنوات تقريباً، انقسمت ردود الأفعال والتي بالغالب كانت سلبية لأنها تمس الجميع على المستوى الشخصي الآني وتعد بمستقبل لم يكن بتصورنا تحقيقه..!!

فقد وعدنا بطفرة جديدة ولكن بمنئى عن النفط، وهو ما كان خارج تصورنا وحتى تصور العالم الغربي. فالصورة النمطية لأعرافنا المجتمعية والقوانين المسنونة آنذاك تجعل تحقيقها مستحيلا.

تحمل القائمون عليها ردود الأفعال بجلد، رغم التشكيك من جميع طبقات المجتمع المحلي والدولي. كانت نظرتهم أبعد من أن تُعى بسبب تاريخنا الحديث في التنفيذ. شمولية الرؤية كانت ولازالت أكثر ما صعّب الاقتناع بها.

ولكن وبعد ثلاث سنوات، وبعد أن أُخضعت أغلب الحواجز، وخصوصاً المجتمعية، بدأت العين المختصة بتكوين تصور عام عن الرؤية وماهيتها ونواتجها. حديث ولي العهد الأخير لبلومبيرج وضع جميع النقاط فوق الحروف التي كنا نجهلها. وصراحته كانت أبلغ ما أوصل الرسالة.

فاجأني ذكره للرياضة السعودية والمنافسات الكروية كجزء من تكاملية الرؤية. وهي ما أشعلت فتيل هذا المقال في ذهني. راجعت زيارتي الأخيرة لبرشلونة وكيف أن نادي رياضي يدير إقتصاد مدينة من كبرى مدن أوروبا. راجعت أرقام السياحة العالمية، وكانت أسبانيا أما الأولى أو الثانية بعد الولايات المتحدة وأن أحد مغرياتها الدوري الاسباني..!

بالنسبة لرياضتنا المحلية والحقيقة التي إستندت عليها الرؤية، أنها الأقوى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. نعم الأقوى والأكثر متابعة رغم الشكوك والمشككين. الشواهد كثيرة، ولكن يكفي أن تشاهد برنامج رياضي في دولة شقيقة ويعلو الصوت بين محلِلَين ويخرجا عن طورهما ويتمارءا بلغة المدرجات عن الهلال والنصر (بين الشوطين.. برنامج كويتي)..!! بالإضافة لأهمية الدوري المحلي بالمنطقة، تعتبر المملكة أكبر مساحة تسويقية وذات ثروة بشرية شابة تستهويها كرة القدم على وجه الخصوص. عدى ذلك من مكاسب إجتماعية بتوجيه طاقات الشباب عن مغريات تفسد الحاضر والمستقبل. في رأيي المتواضع، من هنا توجه القائمون على الرؤية لإستثمار هذا المختزن الاقتصادي.

لم أرى في المستند الأولي للرؤية ما أشار صراحةً للذي بدأ بتطبيقه مع تعيين المستشار تركي آل الشيخ. وإحقاقاً للحق، هذه المهمة هي الأصعب رغم أنها الأقل كتكلفة استثمارية. فالامر يحكمه ويوقده الميول والعاطفة والإحتقان بينما تقبع  الحقائق في الركن البعيد الهادئ من العقل.

وهنا يجب أن نقف عند إختيار شخصية ما يمثل وزيراً للرياضة والشباب عن عداها من الوزارات كالمالية أو الإقتصاد أو النفط. فالشخص المناسب يجب ديناميكيا سريع التنفيذ لاننا كنا بعيدين جدا عن الهدف الموضوع. ذو كارزما قوية ويعمل دون ميول. وبمزيج من الحكمة مع اندفاع الشباب. و بدعم قوي من القيادة.

لا أود هنا الخوض في شخصية المستشار ولكن سأحاول زيارة الركن البعيد الهادئ المذكور آنفاً وسرد بعض الحقائق. 
حصر واصدار ميزانيات الاندية وتصديق الجمعيات العمومية عليها.
تعرفت واعترفت كل إدارة بما لها وما عليها 
استبعاد إدارات الأندية والتي عينت على أسس نظرة إنتمائية لكيانات القائمة.
تعيين إدارات ذات خلفية رياضية فنية فالغالب عدى ناديين.
تسديد ديون الاندية.
توقيع عقد رعاية كبير جداً جداً.
رفع عدد الاجانب وعدد فرق الدوري الممتاز.
دعم فرق الممتاز بأجهزة فنية ولاعبين أجانب ذوي مستوى أعلى من قبل.
تسويق البطولة خليجاً بمشاركة فرق من الدول الشقيقة.
اعادة إحياء المنظومة الكروية العربية والإسلامية بقيادة ورؤية الرياض.
البدأ في إنشاء كيان غرب آسيا لزيادة الثقل الإقليمي.
تم استثمار في تقديري ما يقدر بملياري ريال إلى على الأقل في هذه الخطوات. هل هذا كثير بالنسبة الهدف الموضوع؟ شخصياً لا اظن ذلك.
بعيداً عن الإنتماءات وعن الحيثيات وعن القفشات والفقشات، ماذا يمكن أن ننتقد هنا؟

عن نفسي، لا أرى أي من هذه الأهداف خطأ. ولكن قد أختلف في بعض الإجراءات فقط. نعم قد كان هناك ولازال ديناميكية أكثر من اللازم. نعم كان هناك بعض النغمات الناشزة. نعم كان هناك بعض الاستعجال بالنتائج. نعم كان هناك ضحايا ومتسلقين. نعم كان هناك بعض التشتت في الرأي العام. ونعم ونعم..

اخترت الرياضة كمثال للرؤية لانها الاقرب لاذهان المتلقين من الأهداف الأخرى. وفي المجمل، لا يهمني الطريق الذي تسلكه القافلة والعقبات التي تجوازتها او ستواجهها ما دام ستصل الى وجهتها وفي الوقت المستهدف وإذا ما زلنا في الاتجاه الصحيح فلا يهم الكيفية مادام أن أهدافنا ستتحقق.

ودمتم.

الجمعة، 4 أكتوبر 2013

الهيئة وكونفوشيوس..!!

من جديد، الهيئة تطغو على ساحة الأحداث متفوقة على جميع أصداء الصراعات المستمرة بين التيارين الرئيسيين في الساحة السعودية. هذه المرة، سقطت الهيئة في خطأ كبير بصرعها، كما يدعى عليها، شابين بعد مطاردة هوليودية أمام أعين آلاف الشهود. ومما زاد القضية تعقيدا، أن الفقيدان ينتميان لأحد أكبر القبائل بالمملكة وبالتالي وضعت المسئولين في حرج بخيارات محدودة كل منها أكثر مرارة من الأخر.

وكما هي المعركة الفكرية المستمرة بين التيارين الأخلاقي التقاليدي والتيار الأخلاقي الإنساني الحديث، تستخدم الهيئة كأداة للتقاليديين في فرض رؤيتهم الخاصة للأخلاق بينما يستغل التيار المعادي هفواتها في تضخيم أخطاءها لشن هجمات مضادة من أجل مكتسبات فكرية تثبت رجعية الفكر المضاد.

لكن الهيئة، حسب رؤية بعض الأطراف الأخرى في هذا الميزان، كانت دائما أداة سلبية في محصلتها بهذا الصراع. فكما يدعون، القائمون عليها رجال في الغالب محدودي الفكر مكشوفي النوايا بتحيز ظاهر لعين الغافل قبل المتمعن. ومما زاد أعمالهم سلبية، محاولاتهم البائسة لتقويض سلطة السلطة الشرعية في صراعها مع التطرف الفكري من خلال حملة الإعتقالات وحملة "فكوا العاني" المضادة. فكان نهج الهيئة مؤخرا، مقنن في محاولة التشدد في فرض الفكر التقليدي على العامة لتأجيج رفض الشعب للسلطة بالمجمل.

تاريخيا، كان لغالب الأمم، شرط أخلاقية تقوم بفرض معايير أخلاقية وتقاليدية على عامة الشعب. حيث كان بالصين قبل الميلاد رجال يجوبون الأسواق لإلزام المتسوقين بتعاليم وتقاليد كونفوشيوس. وفي حقبة اليهود المعاصرين للمسيح، كان المعمدانيين يقومون بنفس الدور. فالإلزام الأخلاقي، حسب نظرة التيار السائد، ليس جديد على التاريخ البشري ولم نكن نحن أول من اتخذه. ولكننا الدولة المعاصرة الوحيدة التي تقوم به من خلال جهاز خاص مستقل عن السلطة الأمنية. ففي الدول الغربية، تدخل التجاوزات الأخلاقية من ضمن المخالفات التي توجب المعاقبة ولكن يقوم بضبطها الجهاز الأمني العادي. أما في مصر وبعض الدول الشرقية، فهناك جهاز خاص مثل شرطة الآداب يتبع للشرطة بعمل هذه الأدوار.

لنكون منصفين، هناك تقصير في عمل الشرطة في حفظ الأمن. ومن الرمي الجزاف، تجاهل منفعة وجود مثل جهاز الهيئة في المساعدة في قضايا الإبتزاز والتحرش الجنسي. ولكن يجب أن لا نضخم هذه المسئوليات ونسميها إنجازات فقط لقصور جهاز الشرطة في ضبط هذه الجرائم. فلو كانت فعالية الشرطة كما هي في الدول الأخرى، لما كان هذه الحاجة الوهمية لجهاز مثل الهيئة الموقرة.

وحتى لا نعيد إختراع العجلة، أليس من الأجدى لنا المطالبة بتطوير جهاز الشرطة لسد تقصيرها بالجرائم الأخلاقية حسب معيار محدد من قبل الدولة والقانون لا حسب معايير تيار فكري يقوده رجال يخدمون فكرهم بالدرجة الأولى ويكون الضحايا بضع أرواح عامة..!؟

الجمعة، 24 أغسطس 2012

الموت البطيء


تخيلت يوماً مدينة جميع سكانها حكماء.  خضراء الأرض بيضاء السماء. نظيفة كبيت السلطان،  هادئة كصباح الجمعة. مدينة سادها وتسيدها السلام. لا شقاق ولا نفاق. لا فساد يأكل به العالم حق الغافل. لا سادة ولا قطيع. الكل مستقل بذاته يدرك دوره دون إشراف. لا قانون يفرض،  لأن الفرض لم يكن ليكون لولا قصر الناظرين.

كان زمنهم بلا ملامح تميزه. أصبح المال بلا قيمة لأنه لم يكن ليجلب لهم السعادة كما يظن. بعد فترة،  شح الكلام بينهم حتى ندر ثم اندثر. غدت لغتهم نظرات العيون وتعابير الوجه. خفت شغفهم بالمستقبل حين وعوا الماضي. رتابة حياتهم لم يكسرها شهوات حيوانية أشبعوها ولم يشبعوها.

خف الحياء رويداً رويداً.  لم الحياء وقد فهموا وتفهموا حاجاتهم ورغباتهم وشهواتهم!! فهموا أنهم جميعاً بشر له نفس الملامح من الداخل ولو إختلف خارجهم. عدم إكتراثهم لتمايز الوجوه والأجسام عظم حتى أصبحت عيونهم لا ترى إختلاف ملامحهم. أصبحوا جميعاً متشابهين. نسخ كربونية بل آلية أنتجها مصنع بشري. كان إنسانهم وإنسانيتهم تضمحل كلما تقدم زمانهم. فلا حاجة من جديد للتمييز بينهم فهم متماثلين من جميع الوجوه.

كانوا مجتمع فأصبحوا مجمع.. تقدم العمر بأقدمهم، ولم يكترث كثيراً مجمعهم لأنها نواميس الكون. توفوا واحد بعد الأخر.. لم يكن ليفاجأ أحداً منهم،  فقد كانوا يعون ذلك من قبل. الحزن أصبح سخيفاً لأنه حالة عقلية لا تتميز كثيراً عن ما يسمى "سعادة". لا حزن ولا سعادة.. لا غضب ولا ضحك.. لا أمل يوقد رغبة الحياة..

أصبح لا معنى للحكمة لأن لا حكمة تميزها. وجدوا الحكمة أيضاً نسبية!! لم يكن هناك تفاوت،  فأصبحت حكمة يومهم سطحية. أصبحت الفلسفة مكررة لا تحمل معاني جديدة. فقط إعادة صياغة لما يعرفه الجميع.

تملكتهم حكمتهم فأوفتهم حقوقهم،  فأوفوها حقها ليروا "الموت البطيء" أحكم المآل..

الجمعة، 10 أغسطس 2012

كبريت الشهرة في مسرح العرائس..

من الطبيعي استمتاعنا بدراما التغريد بهذا الشغف. فالتويتر فتح أبواب العقل المغلقة لعقود. لذا أرى أن سيكون التغيير كبير والخطوط المتجاوزة من الصعب الرجوع لها حتى لو أردنا. لكن البعض انجرفوا مع تيار الشهرة بدون أطواق نجاة. أنشتهم سكرة الأضواء فتمادوا ولم ينظروا إلى اليابسة من وراءهم.

ضحاياها، تقتات شهرتهم على الشذوذ الفكري من خلال نزوات مثل "سورة التفاح" أو حصر الجنة بأهله ومن والاهم. شهرة البعض منهم مصطنعة عن طريق الإعلام الزائف المدفوع وتغذى بالشطحات الساخرة. وأخرون لم يملكوا المادة فختاروا حرق أنفسهم ليضيئوها. لذا ولابد أن تكون نهايتهم كارثية على المستوى الشخصي.

عدم تزامن تنامي الحكمة الفردية مع قوة الضوء المسلط يحرق ولو بعد حين. فالأيدلوجيات ماكرة ناكرة لا رأفة فيما يعوق تقدمها. لذا يكون بعض فرسانها دمى في مسرح العرائس. يأتي يوماً ويرموا للنسيان ويستعاض عنهم بدمى جديدة. فالجمهور يهوى التغيير والمهم من هو خلف الكواليس لا من يحرك بخيوطهم الخفية.

أتفهم أن مثل هذه الفكرة شاذة في نظر مريدي الأيدلوجية التابعة لهم ولأمثالهم. وأتفهم عدم تفهمهم لأنهم يسمعون بآذان غيرهم. ولن يفيد النقاش محاجتهم بالنظر لكثرة إعتذاراتهم بعد كل زفرة وكأنه فكر آلي متعارف عليه. ولكن لقننا التاريخ أن الشهرة بدون حكمة كافية، مثل شعلة كبريت عود الثقاب.. "متوهجة وآنية وتحرق العود بسرعة"..

الخميس، 9 أغسطس 2012

عزيزتي الخطوط السعودية.. لماذا المكابرة!؟

تطالعنا الصحف والشبكات الإجتماعية بشكل يومي تقريبا بخبر يوجه إنتقاد مبرر للخطوط السعودية. وجبة متعفنة٫ تأخير رحلات بلا مبالاة٫ جلافة تعامل٫ لحوم حمير وغيرها كثير.. إنتقادات وشكاوى لسنوات دون أي تحسن ملحوظ. إصرار المسئولين على النهوض بها من خلال التخصيص وتغيير بعض القيادات أعتبره فقط الفعل المحمود الوحيد الذي يستحق التقدير.

لكن فاقد الشيء لا يعطيه. فالخطوط السعودية مؤسسة متهالكة فعل بها الزمن فعلته فرسم تجاعيد دائمة لا يمكن للعطار أن يصلحها. صناعة الطيران خدمية تتطلب مؤهلات لا نملكها كشعب يتعالى عن خدمة بعضه فما بالك بالأخرين!! والخطوط السعودية بالذات من بين باقي المؤسسات الوطنية٫ كانت قد أسلمت لإدارات فسدت خلال عشرات السنين فاصبح من غير الممكن تقويمها. فالفساد كالسرطان٫ لن تجدي مقاومته الكثير من النجاح.

كدولة ناشئة تخوض معترك التسابق الإقتصادية مع وجود جبهات داخلية مقلقة كضعف التعليم وصراع أيدلوجي عقيم تعيق كثير من المقومات التقدمية٫ نحتاج لتوفير كل جهد ولو كان ثانويا حتى يمكن لنا النهوض من الكبوات المتتالية. لكن حصر النقل الجوي لمؤسسة استشرى الفساد في دواخلها وظهر على سطحها يزيد الطين بلة ويجردنا من وسيلة حيوية. اصرارنا على تقويمها هو عناد عاطفي أرعن لا يزيدنا إلا تخلفا. فهي بالنهاية وسيلة وليست غاية بحد ذاتها.
إحصاءات تراجع تصنيف الخطوط السعودية يثبت لنا قبل غيرنا أن لا حياة للمناداة بانتشالها من حضيض القاع. بعد كونها في المراكز المتقدمة قبل ثلاثين سنة٫ ها هي تصنف في المؤخرة متنازلة للخطوط التجارية الإقتصادية بكل إذعان. حيث غدى تخفيض الأسعار سلاحها الوحيد الذي تلجأ له حتى تحافظ على بعض ماء وجها المهدر. فأصبحت الخسائر حتمية لعدم توافق المقومات مع الخط الاستراتيجي المتبع.

أليس من الأجدى لنا فتح باب المنافسة على مصراعيه لكل من يستطيع توفير هذه الوسيلة الحيوية لنتسلح بهم لغاياتنا الأسمى!؟ لنتصور أن تخدم الإماراتية أو القطرية أو حتى الكاثي باسفيك حاجتنا من الرياض وجدة لباقي مدن العالم الرئيسة مباشرة دون المرور بمحطاتهم الوسيطة لتقليل التكلفة والجهد. لماذا لا ندع الخطوط السعودية تموت بسلام حتى لا تعيقنا!؟ ألا يكون ذلك أكثر واقعية!؟ أم أننا نجيد العناد رغم واقع خسارتنا!؟

فالنهاية٫ أرى أن رعونة المقاومة فعل أحمق لمريض يموت ولا يقبل واقعه. فلا يمكن لجسد هزيل أن ينافس عدائي سباقات السرعة. فالواقعية تجبرنا أن نسلم هذه الجولة لنسلم على جولات أخرى هي أهم في خضم سعينا للرقي بواقعنا. فلماذا المكابرة!؟

الاثنين، 6 أغسطس 2012

بيت الحكمة


يحكى أن رجلا بلغ من الحكمة مبلغ ما أمضى من السنين الطوال.  رزق بأربع أبناء على مدى أعوام متباعدة متدرجة. تمثلوا بحكمة أبيهم ونضوجها المرحلي. فتفاوتت طرقهم بتفاوت دعوتهم. 

كان الأول الأقرب لقلب أبيهم.  كان همه ومراده وعزه وعزوته. كل ما عداه يهون عنده وكل ما يخالف سمو مستقبله ملعون ومطرد من فكره. لكنه أبي عنيد.  زامن ترعرع حكمة أبيه فلم يسلم له طوعاً. تصادم معه فكان الشقاق أغلب مآل النزاع. بعد سنين من الكر والفر،  وصلوا لطريق مسدود. فقد تكسرت أغلب مجاديف السلم فلزم تغيير العتاد من العناد. 

كان الثاني هضبة ليس بها كثير من الجبال.  مسالم في العقل أسد بالكر. ينطق بما يفكر ولا يضمر إلا عند القتال.  انقاد بارتياح لحكمة أبيه إلا قليل لا يذكر.  لم يستفهم إلا لكي يفهم. لم يجادله إن نطق أو غضب. فكان ينصاع إذا أمر ويأخذ بأفضل الأمرين لأبيه إذا خير. 

إشتد أزر الأب بولده البار.  فصار حجته على بكره. فأخذ يجادله من جديد ولكن بعزم ودعم. بدأ البكر بتنازلات لم تكن كافية لأن يكون تحت مظلة حكمة أبيه. ولكن الأب إزداد حكمة فوق حكمة فاستمر بعزيمة محب شديد البأس وأكثر قوة مع مرور الزمن. 
الثالث كان ذو فكر مختلط. لم يحضر بداية عراك الكبير ووعى على مفخرة توافق البار. كان يبحث عن رضى الأب ايماناً أحياناً ومجاراة وغايات لأخرى. كانت كثرته من قوته الجسدية فمال بالكفة لما ليس للبكر طاقة.
سلم البكر لرؤية خطها أباه بعد أن أعيته كرات حكمة كانت قد غابت عن استيعابه. فرح الأب كفرح من وجد إبنه حي بعد سنين من الضياع. وعى البكر حكمة أباه حين إنتشرت وبات من حولهم يقدرون بيت الحكمة وأهله. عاشوا زمن لم يطل حتى ودعهم أباهم. 

رغم عدله بين أبناءه في حياته،  فقد أوصى بزمام الحكمة للبكر الحبيب. كعادته،  لم يجادل البار سوى ساعة من نهار. تنازعت الرغبات بالمختلط حتى ظهرت على شفاهه. يثور حين ويجادل حين. ولكن البكريين أقوى عزيمة رغم أنه أقوى منهما جسدا. فلم يك رضوخه سوى مسألة وقت عصيب.

ولد الرابع بعد وفاة الحكيم بقليل. وترعرع يستسقي الحكمة من أخواه البكريين ونزر يسير من المختلط. نظر لهم بنظرة الابن لوالده دون تحدي في منشئ الحكمة لأن مصدرها أباه الذي لم يراه. فكانت القداسة لها ولمن يحملها. حمل هم فهمها وصيانتها وتحقيقها وتأصيلها. وحمل إخوانه رعايتها فهي نورهم الذي يضيئ لهم دروبهم بين بيوت جيرانهم.
ورث أبناء البكر القيادة فمضت بهم في طريق ولا بد أن يطرقوه. اختلفوا كما اختلف أبيهم على أبيه. كانوا فسطاطين ثم أكثر فأكثر. قدس البعض آباءهم وتبع أخرون من سبقهم. ثم اختلف كل بعض فيما بينهم،  ففهمهم أصبح خلافهم رغم إتفاقهم على أصل ما يختلفون عليه. تداخلت الرغبات الفردية فشتتت غاية حكمة أبيهم في رفع شأنهم. داموا سنين مقدرين أو مقدسين في عيون أبناء عمومتهم. 

ولكن لكل حكمة عمر مهما كانت سديدة أو مديدة. عمر ولا بد له من أن يشيخ لأن الزمان داء ليس له دواء ولو كانت أحكم الحكم..

الجمعة، 27 يوليو 2012

دوغماتية العقلاء..

ما الذي يمسخ فكر شخص بلغ درجة عالية من العلم والإدراك لأن يكون أسير خرافات وأساطير!؟


سؤال فعلا يحيرني. فكلما وجدت له إجابة، نسختها إجابات.. نرى رجال قد بلغوا من العلم مقدارا ومن الإدراك أسرارا.. أطباء مهندسين علماء ذرة أدباء.. وبرغم ذلك تجد بعضهم يؤمنون ويسلمون لبراهما أو قسيس أو حتى ملا أو متشيخ لا يملكون من العلم أكثر من حكايات لا يدعمها العقل أو المنطق!! فرغم أنهم سموا بالفكر إلا أنهم يتنكرون له نزولا عند المعتقد!!


كيف لعالم ذرة هندي أن يؤمن بالصلاة لجوامد بأن ترفعه!؟
ولمن حاز جائزة نوبل في الكيمياء أو الفيزياء، أن يؤمن بأن الإله قد تجسد في إنسان لينقذ خطايا البشر!؟
ولمن يطور النانو، أن يعتقد أنه قد ولد من نسل الآلهة وغيره بشر أقل منه منزلة!؟
ولجراح قلب متمرس، أن يسمح لجاهل أن يقوده لمجرد أن جيناته المدعاة عن نسل الرسول!؟
ولبروفيسور يدرس الهندسة أن يعتقد برضاعة الكبير!؟
وكيف لإمرأة بلغت الحكمة أن تؤمن أنها ناقصة عقل ويجب أن تكون تبعاً للرجل حتى لو كان رضيعاً أو وضيعاً!؟ أو أنها ولدت لتخدم الرجل لا أن تعيش معه سواء!؟


نعود لنحلل غرس الطفولة لنجده أساس متين. ولكن هل هو كافي لمن فكر وتمرس خارج الصندوق لأن يكون بهذه الدوغماتية!؟ كيف إختاروا واعتادوا لاختبار كل ما يمر على عقولهم عدا فكر ولدوا عليه!! 
أم هو خيار من ليس له خيار!؟ ولماذا عدم صنع خيارهم الخاص!؟ فقد إعتادوه في علمهم وعملهم!!
أم أن معتقدهم هو الأصح!؟ لا يمكن ذلك.. لأن الأصح لا يحتمل جميع الموجودات..
أم أن السباحة مهلكة عندما تكون عكس التيار!؟


حقيقةً، أعياني السؤال وحيرتني الإجابات..!!

السبت، 21 يوليو 2012

الأشقياء المشقون..


الفكر هو برنامج الإنسان الذي يعيش بواسطته حياته. فكل مبادرة أو ردة فعل لنا تخضع للفكر الذي نعتنقه. الحرية الشخصية تكفل للإنسان الحر تغيير فكره حسب تطور حالته العقلية والمحدثات على الساحة الفكرية. في المجتمعات التي لا تقبل كثير من الإختلاف، يمكن للشخص أن يتعايش من خلال البعد عن النقاش وإخضاع أفعاله لبرنامج فكري هجين يكفل القبول في مجتمعه دون المساس بجوهر معتقده المغاير.

لا بأس بهذه الحلول إذا لم يمتهن الفكر. فكيف بمن وجد نفسه يعمل في الفكر المعتنق ثم أجبره عقله على تساؤلات نسفت إيمانه أو أجزاء كبيرة منه. أتحدث هنا عن تخصص دراسة أو عمل أو كلاهما علي ضوء فكر أو مذهب معين. لنتخيل قسيس أفنى زهرة سنوات عمره في دراسة اللاهوت ويعمل في كنيسة يقتات على أجرها هو وعائلته. ولنا قياس ذلك على ملا تخرج من قم ويقود حسينية أو مؤذن أو إمام مسجد في الخبوب تخرج من جامعة الإمام أو حتى أستاذ محاضر فيها.

لنتخيل مجازا، من درس لعشرين سنة حتى أصبح مستشارا في الصيرفة الإسلامية على أحد المذاهب الشائعة. ولكن متناقضات حيثيات كثيرة تراكمت حتى أجبرت فكره على التجدد. فأصبح لا يؤمن في الصيرفة على المذهب الذي وظف ليفتي به. شهادته وخبراته لا تساوي جناح بعوضة خارج هذا الفكر. جميع الطرق مسدودة في تغيير عمله ولا يسعفه العمر والإلتزامات الأسرية على إعادة التأهيل.

لنا أن نتصور قلة خيارات إنسان في هذا الوضع المؤسف. فأول خياراته أن يعيش التناقض بكل فلوله. في حياته في عمله في علاقاته مع أسرته ومع أصحابه وفي تربية أبناءه. تناقض يقض مضجع السوي ويغذي أصول الإنحراف. ليكون عرضة لأمراض نفسية تطغو على شخصيته وتؤثر على أبناءه وكل من يعتقد به. والأكبر طفوها على السطح والإساءة للفكر المعتنق والتشكيك به من قبل متبعيه قبل مناقضيه. وثاني خياراته هو إعلان الإنفصال فكرياً والتخلي عن جميع الإستثمارات الشخصية الفكرية والمؤهلات العملية دون وجود بديل يعوضها. وهنا يكون الفشل الشخصي والمجتمعي أكبر من أن يحتمله إنسان دون توابع وخيمة.

في كلا الخياران سيعيش مثل هذا الشقاء. سيكون علة على أهله ومجتمعه. سيخرج أبناءً بفكر معوق متناقض وزوجة حائرة وأم حزينة وأب خائب الظن. مثل هذه المعضلة تمتد لأجيال بعد هذا الشقي ولا تتوقف عند عمره. أجيال إما تحترف الإنحراف الفكري والتعدد الشخصي أو قبول الفشل كحل مشروع دائم التواجد بلا أنفه.

أظن أن من الحكمة محاولة عدم وضع من نعول في وضع مماثل. فحتى لو كان إيماننا بفكر أو بمذهب يقينياً، قد يختلف أبناءنا عن هذا اليقين فيغدون فريسة صراع نفسي رهيب قد يؤدي إلى الفشل أو المرض العقلي. عندها سيقولون ما قال المعري: "هذا جناه أبي علي" ولكنهم سيجنون على أحد..

الخميس، 23 فبراير 2012

متى تفقد السلفية المحافظة صدارتها..

ناقشنا بالمقال السابق الرفق بفرسان السلفية النجدية عندما تفقد صدارتها للمجتمع السعودي. وهو ما أثار تساؤلات وتفاوت وجهات النظر مع البعض حول واقعية هذه النظرة في ضوء مجريات النظرة الآنية للساحة السعودية. قبل الدخول في التفاصيل، أود أن أوضح أنها نظرة شخصية من خلال قراءة التاريخ ومحاولة توقع مستقبل التيارات الفكرية وتطورها. ذلك من خلال تحليل دورات الفكر أقرب منه للإحصائية كالتي تستخدم في التحليل الفني لمجموعة من البيانات التاريخية.

لنبدأ بالنظام السياسي الحاكم وهو الملكية. فالملكية تاريخاً هي أكثر الأنظمة التي توفر للعامة أكبر فرصة للعيش المرفه عنه للأنظمة السياسية الأخرى متى ما كانت في قوتها وواقعية قادتها. وعادة ما تتبنى الملكية الفكر المقبول من الشعب لتجنب أكبر قدر من الإختلاف مع الشعب لضمان إستمراريتها. وقد كان المواطنين في السعودية ذو ميول محافظة في السنوات التي بدأت من بداية الملكية السعودية حتى أحداث سبتمبر. ولكن تصادمية السلفية مع الفكر العالمي السائد أدى إلى إعادة النظر في دعم التيار المحافظ وضرورة دعم تيار يساري تقدمي يوازن المجتمع السعودي في ظل الإنفتاح على العالم الخارجي.

فالتيار السلفي النجدي المتسيد لدفة القيادة في المجتمع السعودي تيار حاد لا يقبل الآخر بمرونة تضمن إستمراريته لمدة أطول من السنوات الخمسين الماضية. ومثل هذه الحدية تجعل التيار يستفذ دورته أسرع من التيارات المعتدلة. فهو يخلق العداء ويثير المخالفين بوتيرة متسارعة عندما يصل إلى قمته ويبدأ منحناه التنازلي. فكان حتميا على السياسي البحث عن حلول سريعة بإيجاد تيار يوازن القوى ويخلق مساحة فكرية للعامة لللجوء لها كبديل جاهز. 

وكان الخيار هو التيار الليبرالي السعودي  كحل آني مستعجل. ليكون نتاج ذلك الصراع الفكري الحالي الذي نعيش مشتتين في رحى معركته. فكما لقننا التاريخ، مادام هناك توجه سياسي قوي، سيؤدي الصراع حتمياً إلى تنامي مؤيدي التيار الجديد في الناظر القريب على حساب الفكر المحافظ السائد. حتى يفوق عدد العامة ذوي التوجه الأكثر يسارية عدد مؤيدي التيار المحافظ القديم في السنوات العشر القادمة. 

قد تكون هذه النظرة جريئة للبعض المحافظ، ولكن عمر التيارات الفكرية حقيقة يضعف حجة مخالفيها كلما أمعنا النظر في التاريخ الإنساني ولا بد، في نظري، إعتبار النظرة الشاملة في نقدنا للساحة الفكرية.

الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

وهم أسميناه "الحب"..



لازال تيار الفكر بشري في نحو متصاعد في تقدير مجموعة من المشاعر أصطلح على تسميتها "الحب". كلمة نمت دائرة معناها لتشمل مساحة أكبر مع الزمن حتى أصبحت تحوي عند بعض المتطرفين هدف الحياة وغايتها لا وسيلة للتعبير عن المكنون ذاته.

اختلفت تعاريف الحب حسب المستوى الفكري الشخصي والمجتمعي. فعند الشباب أصبح الحب قناع للتعبير عن الحاجة الجنسية بوصف مقبول مجتمعياً. بينما عند من هم أنضج، هي وسيلة للحفاظ على التماسك الاجتماعي وحمايته من التفكك أو بالأحرى دعم قوى الوصاية الفردية على باقي أفراد المجموعة. فباسم الحب كان التغزل بالمحبوب وجسده وباسم الحب كان حفاظ الراعي "الأب" على غنمه "الزوجة والأبناء".

عقلياً، لا يحمل الحب معنى محدد يمكن قياسه أو حتى تحديد معالمه. فهي كلمة مرنة يمكن أن تشمل الحياة أو أن لا تشمل شيئا على الإطلاق. فكل من ضيع معنى لوصف مجموعة من المشاعر أسماها "حباً". وكل من سيطرت عليه غريزة حيوانية تغنى بالحب الذي أصابه بمقتل. وكل من أراد السيطرة على إنسان آخر، برر له المسببات بالهوى والعشق. فهي بالنهاية أنانية شخصية وشهوة التملك البشرية نتجمل بوصفها حباً مقدساً لا يستطيع المقابل دحرها ليتقبلها على التزاماتها المقيدة للحرية الشخصية.
أليس للحب التزامات؟ ألا يحتم ويفرض الحصرية للمحب على المحبوب؟ لماذا يتغنى المحب العذاب الشخصي بينما المحبوب هو الموضوع المدعى؟

التطور الأخير في المجتمعات المعاصرة أصبح في مرحلة متقدمة جداً من هذا الوهم. حيث أصبح الغاية والهدف والمتعة في هذه الحياة تأتي من الحب ولا شيء غيره. فأصبح من يدعو للبحث عن الحب كهدف للحياة السعيدة "رغم أن أشهر العشاق قد انتحروا". فاختلط الحب كنتيجة ووصف عن كونه هدف بحد ذاته. وهو ما أدى إلى أن يعيش بعض الذكور وأغلب الإناث في وهم البحث عن المستحيل الوهمي ليؤمنوا به بعمق من غير استشارة عقولهم. فأصبحت هذه الفئة هلامية الفكر والمعنى لا تستطيع شق طريق الحياة من غير وقودهم الأسطوري.

سيقول البعض أن "الحب والعشق مختلفان" وسأقول له "أهلا بك في عالم السفسطاء". وسيقولون "أنك لا تعرف معنى الحب لأنك لم تعشه" وسأقول "ولن أقع مادمت أستشير عقلي قبل غريزتي".
حقيقةً، أرى أنه ليس هناك ما يمكن أن نصفه بـ"الحب" إلا أننا أردنا صياغة الأنانية الفردية إلى معنى يتسالم عليه الجميع بوصف هلامي يمكن أن يكون كل شيء أو لاشيء.. ونحن بالخيار..

آسف لهذه الحدية التي قد تجرح البعض الواهم بالحب وأسراره الدفينة، ولكني أطلب المعذرة وأتطلب من المتلقي التجرد والحيادية والواقعية ما أمكنه وسمح له إحساسه الحبي الدفين بذلك. أعلم أنكم ستعذرونني عندما تعلمون أني أحبكم بكل المعاني الواردة أعلاه وما ذلك إلى حرص عليكم.

الجمعة، 2 ديسمبر 2011

الهوية الإلكترونية.. "بدري علينا"

في أكثر المجتمعات تحفظاً على وجه الأرض، يصعب على بعض أجيالنا المعتقة تقبل مشاركة عموم الخصوصيات. فحتى الأسم يصعب على بعض الرجال البوح به ما لم يكن هناك حاجة ملحة. فكيف بنا بالنساء؟؟ هذا للبعض أكثر سرية من الزئبق الأحمر.

أسترجع هناك النقاش العائلي الذي دار قبل سنتين حول مشاركة نساء العائلة في مواقع التواصل الإجتماعي. فهل يكون لهن حسابات خاصة؟ وهل يفصحن عن أسمائهم الحقيقية؟ عندما جاء دوري في الإدلاء، كان الجواب جاهزاً، فهو خيار شخصي تحدده المعنية من دون تدخل الجنس المتسلط على هذا القرار. في قرارة نفسي كنت أؤمن بأن الهوية الإلكترونية هي واقع حتمي وإن لم يعيه غالبية مجتمعنا في الوقت الحاضر وهي مسألة وقت فقط مهما أرجأناها. في النهاية، إنتصرت الحرية الشخصية في العائلة نصراً مؤزراً ولا عزاء للسلطة الذكورية.

لكن الهوية الإلكترونية في عموم المجتمع السعودي لازالت موضع حيرة عند الكثير. لنجد شخصيات عامة تتساءل عن المغزى من إنشاء حساب في الفيسبوك أو التوتر. حتى أن مسئول كبير سألني مرة عن جدوى وضع سيرته في "Linked In". حيث لم نعي، كمجتمع، أهمية وحتمية أن الإفصاح عن هويتنا بالشبكة العنكبوتية هي جزء من إتصالنا بالعالم الإفتراضي الذي سيصبح هو الرئيسي مع مرور الزمن. وأن التخلف عن الإفصاح سيعيق مزامنتنا بالمجتمع ويؤخر نمونا معرفياً. 

لازال الكثير من الرجال، الذين يجب أن يفخروا بأنفسهم وقد تجاوزوا سن الحكمة، يتسمون بمعرفات مثل "عزوز الذيب" و "الخاين" أو "المرقب" أو "الحب الحزين" أو بافصاح أكثر كـ"أبو محمد الأول". عداك عن الجنس الآخر المجبر على عدم الإفصاح عن حتى المعرف الرمزي. فنحن لدينا مشكلة حقيقية في تحمل تبعات الإفصاح عن مكنوننا المتناقض. حيث نتحرج من التصريح داخلياً بتشويش فكرة تضاد المنطق السليم وممنوعات المجتمع المحافظ. أصبحنا مخلوقات من نوع خاص معاقة عن التسالم مع الواقع الحقيقي. لنحمل هويات متناقضة نلبسها مثل قبعات المناسبات الفكتورية، حسب المجلس أو الموقع. نلبس قبعة الدين في مجلس العائلة الذكوري العام، قبعة "العيارة" في الخاص، الرومنسية في التويتر والفيسبوك والإحترافية في الـ"Linked In". 

مشكلتنا هنا أعمق من أن يحلها بعض الوقت. فتأصل التناقض هو أساس في تكويننا. لذا أرى أنه "بدري علينا" كجيل مخضرم بين المجتمع العادات والتقاليد ومجتمع الإلكترونات أن نبوح بما هو مباح..

الجمعة، 11 نوفمبر 2011

"النفسيات" عدوى تجتاح نساءنا..!!

"النفسيات" مصطلح جديد أطلقه الشباب الساخر والمبدع في وصف من يتغزلون بمبالغة أو يشتكون الهوى والجحود والهجران والجحود أو الحظ والدنيا وقسمتها بلا حدود وبنهاية طوفانية. وقد تناولوها بطرف وتعليقات ساخرة تنتقدها باسلوب عامي مؤلم وممتع في آن واحد.

رغم أن النقد شمل الجنسين، إلا أن إنتشار هذه الحالة النفسية استشرى بالنساء عموماً، وبالبنات خصوصاً، بشكل يدعو إلى الوقوف والتأمل. فأصبحت أغلب الحالات المنشورة في برامج المحادثة وخصوصاً أهل البلاك بيري من أمثال "ليه بس يا زمن" و "ودي أعيش ولو ساعة" أو "رضينا بالهوى بس الجحود عنوانه" و "لو كان للهوى ضحية.. أكون خروفك في أول العيد.." تطغى على أغلب النفسيات المعذبة. وأمسى من مثل "حامد زيد" عراب هذه النفسية.

وعندما نحلل هذه الحالات، نجد أن هذه النفوس تتلذذ بسادية الحالة الوهمية لأنها فارغة عاطفياً ولا تستطيع التعايش مع الواقع. فكيف بها تحارب من أجل قضية حقيقية تستدعي الشحذ الفكري..!!؟ ففاقد الشخصية لا يستطيع المحاربة عنها.. وخاوي الروح لا يسمو فكرياً مهما اصطنع.. والمتلهي بالعذاب الخرافي، كيف به يصد غارات المجتمع المحافظ؟ وهل يستطيع من يعيش الوهم الدفاع عن حقوق مسلوبة؟

أصبحت صفصفة الكلمات الحمراء هي الغاية لسراب الوهم النفسي المعذب ولم تك أبداً وسيلة للتعبير عن واقع ذاتي حقيقي. وأضحت المشاعر الفياضة تقود عجلة التفكير لا وسيلة للتعبير الخام.. ثم غدى الهدف الحقيقي آخر الهم.. فأمست النتيجة خواء في فراغ..

هذه، حقيقةً، حقيقة مؤلمة يلزمنا التعايش معها في فترة تستجدي الهمم في التغير نحو الأفضل.. الفرصة الحالية قد لا تدوم طويلاً، فنرفانا التغيير مواتية لإستعادت بعض الحقوق النسوية في مجتمع مختل التوازن.. لذا أرى أن نجير هذا الهدف للأجيال القادمة كما هي الأهداف الحقيقية الأخرى. ليتسنا لنا الغط في سبات أعمق داخل السبات الكلي وننعم بالشخير الصاخب.

في مقال سابق، "نسائنا العزيزات.. هل أنتم فعلا بهذه السطحية..!؟؟طالبت فيه برعونة عموم نساءنا بالنضوج ومواجهة الواقع والقتال من أجل حقوقهن المسلوبة.. وهنا أتراجع عن مطالبي لأنني اقتنعت أنهن في هذه الفترة لا يملكن المقومات لمثل هذه المعركة. فأغلبهن لايزلن في مرحلة بدائية من الفكر من سماها "النفسيات" التي دائماً ما تتعلق بالآخر وردود الفعل على أفعاله.. وبتفاؤل.. آمل أن يصلن إلى المرحلة الفكرية المطلوبة خلال العشرين سنة القادمة..أو أربعين.. لا ضير مادمنا نحن الرجال مستمتعين بذلك.. فلزم الإعتذار للـ"النفسيات" مع الأسف..

الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

القولبة.. أداة تحجيم الفكر..


 العقل البشري هائل القدرات. فالتراكم المقدري لمجموعة من المفكرين يفوق تصور أي شخص بعينه. لذا تنشأ المجموعات الفكرية أساليب لا يعيها أحدهم لوحده ولكنهم يطورونها كمجموعة عقلية عبر الزمن. من الأدوات التي يلجأ لها المجاميع الفكرية المتطرفة وخصوصاً يميناً، هو تصنيف الأفكار غير المتوافقة مع الخط العام لفكرهم أو ما يمكن أن نطلق عليه "القولبة". ودلائل ذلك نشوء تصنيفات أو قوالب جديدة كل يوم. فقالب القاعدة لم يكن مصنف فكرياً قبل نسف البرجين. وقبلها لم تكن السلفية تعني مجموعة فكرية لها أفكار مخالفة. ولا العلمانية ولا الليبرالية أو الجامية وقبلها الصوفية والسنة "الناصبة"  أو الشيعة "الرافضة" أو اليعقوبية والآبائية أو الكاثوليك والبروتستانت... أوضح مثال تاريخي هو تسمية البروتستانت الأوائل كل مذهب يخالف فكر قادتهم بالمهرطقة.. وهو من أوسع ما صنف عبر الزمن..



لا بأس في التصنيف كاختصار فكري، ولكن المعضلة تكمن عندما يستخدم كأداة لخدمة فكر معين ورد العامة من التبصر بعقلانية بأي فكر مخالفة له. وبهذا تكمن سيطرة خاصة الفكر على عامته بعدم السماح لهم حتى مع أنفسهم في إختبار الأفكار الجديدة غير المتوافقة مع خطهم العام. فعندما يحاور أحد العامة شخص ذو أفكار مغايرة، تجده يجتهد لقولبته في أحد القوالب التي نحتها سادة فكره حتى يحكم عليه كما حكم سيده الفكري دون أن يختبر أو حتى يناقش الفكرة المتحدث عنها. هنا يصبح كل شخص ليس من الخاصة مثل أنظمة المحاكاة الصوتية التي تجيب بما خزن بها من قبل. وهنا تكمن السيطرة الفكرية الكاملة بسلب الإرادة الفكرية التي تميز البشر عمن سواهم. امثلة ذلك عبر التاريخ كثيرة، كنهي سادة قريش عامتها من سماع القرآن أو تصنيف الأنبياء بالسحر أو الجنون لسلب حكم العامة على ما قدموا من جديد. وحديثاً النهي عن إطلاع العامة على صنف معين الفكر كالفلسفة أو حتى القراءة في مجملها من دون رقيب منهم "من كان شيخه كتابه.. كان خطأه أكثر من صوابه".

الطريف أن كل مجموعة فكرية متطرفة تتهم مضادها بالقولبة فالناصبة يتهمون سادة الرافضة بسلب فكر العامة وعدم السماح لهم بسماع الحق منهم وكذلك يرى "الملالوه" بأن عامة الناصبة لا عقل لهم لأنهم مسلوبي الإرادة. ونحن نتهم الغرب بعدم السماع والتبصر بديننا وهم يتهموننا  بأننا نرى العالم من ثقب الباب. المحير أن التيارات الفكرية الدينية "الأصل" أكثر من يستخدم القولبة في سلب فكر العامة رغم أن الأديان تحديداً ثورة فكرية في عصرها وقد كانت تجاهد لجعل الناس تفكر وتتفكر وتتبصر وعدم طاعة سادتهم. لكننا نجد أن أكثر التيارات تشدداً في إتباع أصول الدين، أكثرها تشدداً أيضاً في السماح لأتباعها السماع لأي فكر مغاير. وبالتالي لو أنهم وجدوا في بداية هذا الفكر الذي يتعصبون له، لكانوا أشد من كفر به وحاربه.. فهي مسألة زمن ليس إلا..

القولبة أداة ماكرة يقع بها الشخص حتى عملياً. فعلماء الإجتماع يحذرون منها حتى في بيئة الأعمال. فنشأت مصطلحات مثل “Mental Model”   أي القالب العقلي أو “Stereotyping” الصورة النمطية، وهي ما يصطلح على مجموعة من الناس يحملون نفس الفكر والحكم عليهم بأحكام مسبقة لا تستند على الحقائق المعاصرة للحكم. وهي مشكلة وعاها الغرب خلال القرن الماضي وحاربوها بشتى الوسائل حتى بالقوانين الوضعية. ولكننا لازلنا نغفل عنها بل ونجعلها عقيدة لنا.. فهذا سلفي متزمت وهذا شيعي ملعوب عليه وهذا صوفي خرافي وهذا جيزاني وهذا قصيمي وهذا حوطي وهذا طرش وهذا بدوي وهذا حضري وهذا علماني وهذا ملحد.... دون الحكم على التصرف أو الفكرة بحد ذاته بمعزل عن قولبة الشخص أو الفكر والحكم المسبق.

السبت، 8 أكتوبر 2011

جنة ليلى والذئب

يحكى أن سفينة عثت بها عاصفة هوجاء فغرقت غير بعيد من جزيرة نائية. مات الجميع غير طفل وطفلة في الثامنة من العمر جرفتهما الأمواج لجزيرة الأحلام. أفاقا على أشعة شمس صباحية ولم يجدا غير بعض وكثير من براءة الطفولة التي تتجسم في ملامحهما الجميلة. بكا.. صاحا ثم ناحا.. إستنجدا.. لم ترد عليهما إلا أصداءهما.. أوشك الليل على أن يسدل أستاره.. قرصهما الجوع.. فالتفتا إلى البر من ورائهما لأول مرة..

رآى أرض كالجنة التي وصفتها المعلمة عن كتاب المطالعة.. تبادلا نظرات مستنجدة لم تجد نجدة.. فسكبا دموعاً ساكنةً على خطوط داكنة خطتها الدموع السابقة على خدود أوردتها أشعة الشاطئ.. مسحاها بباطن كفيين مغطين برمل أبيض مالح أشعل وجوههما البريئين حرارة.. لم يبكا هذه المرة لأن غريزة البقاء قد أفاقت في جسدين غضين.. ألتفتا من جديد للجنة.. ووضعا يداهما في يدي بعض وتوجها صامتين إلى أقرب شجرة ليقطفا ثمرات ينعة.

مرت ليلتهما الأولى مخيفة سوداء حالكة مليئة بالبكاء المتناوب. أفاقا الصباح على زقزقة عصافير الجنة الغناء. أنستهما همهما لوهلة لم تكن طويلة، فعادا لما هما عليه قبل ذلك. جاعا من جديد فتوقف البكاء مؤقتاً لأمر أهم. رجعا لنفس الشجرة ليوفيا الغريزة حقها. توالت أيامهما ولياليها حتى يأسا من الإجابة. شيئا فشيئا، نسيا الهم ومضيا في حياة من غير بداية تسيرهما على طريق رسمه عراب. كبرا معا من غير سابق عهد أو وعد. لم يكن لهما من ماضيهما إلا القليل ممن يذكرانه من الكلام واللغة. لم يك يعرفان أي مهارة غير ذلك والقراءة وغرائز بشرية تتوالى سيطرتها حسب حاجة جسديهما ومراحله الزمنية. كانا عقلين نقيين من الأحكام المسبقة. وكانا جسدين يعرفان متى وماذا يتطلبان.

وفي غمرة الأيام، وجدا صندوق خشبي جرفه الموج لشاطئ الجنة. فرحا به أكثر من هدايا العيد. فتحاه في شغف.. فوجدا كتاب صغير يحكي رواية ليلي والذئب. أمضيا ليليتهما ساهرين حتى الصباح يقرآنه. أعادا قراءته كل ليلة حتى حفظا كل كلمة وكل حرف وكل صورة بحذافيرها. أعاداه في صندوقه وظلا يتلوا كل جملة من الرواية بالتناوب كل ليلة حتى ينام أحدهما.

شبا معا من غير ماضي يختط المستقبل. أنجبا طفلاً فآخرا فتلاه أخوة وأخوات. انشغلا في حاضر بلا سابق عهد. تناسل نسلهما وكبروا فأنجبوا أحفاد كثر. لقنوا أولادهم القراءة على ضوء الرواية الوحيدة. فهمها الجيل الأول فهم مقارب لفهمهما. حفظها الأحفاد وفهموها مع زيادات فكر من قبلهم. هرما سعيدين وماتا مبتسمين. 

ملئت العشيرة الجزيرة وأصبح التنظيم ضرورة. بدأوا بتنظيم يحكم سد الغرائز ويحفظ توازن الحياة. سنوا قوانين مستوحاة من الرواية وحكمها. كان حفظها ضرورة ملحة قبل الإنخراط في حياة الكبار. تفرغ الغالبية لتسيير الحياة وتفرغ نخبة للغوص في معاني الرواية الدفينة. تخصص من النخبة نخبة في فهم وتفنيد وشرح وتفسير عفوية ليلى وسلوك الذئب وحكمة الجدة. الغابة لم تك غريبة عما هم فيه، والجدة تشبه جدتهم الأولى، ولكن الذئب يبقى مصدراً للتأويل فاختلف النخبة في تفسير ماهيته. فهل هو شر محض أم أداة لموازنة الحياة. لم يكن الخلاف يتعدى الجدال في الأجيال الأولى ولكنه أصبح عقيدةً في متأخريها. دعى كل طرف لعقيدته بالحسنى أولاً ولكن المخالفين أوغلوا في كفرهم فوجب جهادهم. بالكلمة ثم بالفرض ثم بالسواعد.

إنقسمت العشائر إلى شمال وجنوب كل حسب عقيدته. مل العامة الحرب وساد السلام ليعطي الوقت اللازم لإيجاد حلول سد الغرائز. وعندما أوجدوا الحلول، توفر الوقت اللازم لفحص العقيدة من جديد. تبحر علماء كل شعب بما ورثوه من علم راسخ. أعاد نخبة تفسير آباءهم فشككوا فيه ليمرقوا ويهرطقوا عن المسار السابق. تفوق بعض المارقة والمهرطقة في تخصصهم وذاع صيتهم فلزم الأمر تدخل السواعد. سجن بعضهم وقتل آخرون وصلب الباقون. هدأت الفتن لجيل وبعض آخر. ظهر حكيم جديد يدعوا لدين قويم ينبذ الخلاف. كان دين بسيط يرى أن الكتاب رواية وأن الذئب مخلوق مثل العصافير التي تغرد فوق رؤوسهم في الصباح. لكن نخبة العلماء خشوا زوال خشيتهم وخفوت هيبتهم. جادلوه ليثنوه ولكن منطقه كان أبسط من أن يدحض. إلتف مستضعفين من العامة عليه فأذوا لأنهم كفروا. إلتجأ الحكيم ومن اتبعه ركن الجزيرة النائي ليسود سلام الواقع بين الأرجاء. 

هرم الحكيم ومات بسلام في ركن الجنة وتبعه أغلب صحبه الأول على مساره. تذاكروا سيرته ودرسوها أبنائهم. قوي عودهم وتقدم منطقهم فصار أكبر من يلزموه لأنفسهم دون باقي الأمم. دعوا الأمم الجنوبية لعقيدتهم ولكنهم أبوا. تناوشوا ثم تحارشوا فأصبح جهادهم فريضة على أبنائهم. إكتسحوا أغلب الجزيرة بايمان قوي يفوق إيمان أعدائهم بعقائدهم المهترئة. أصبح أبناءهم قادة الأمم ولزمهم إعادة التفكير في تسييرها. سنوا السنن وقننوا الحياة بما يحفظونه من علم. فاختلف أميران بل ثلاث على ماهية السنن الواجب فرضها وإتباعها وقبل ذلك ماهية حقيقة حكيمهم إلاهية هي أم بشرية أم بين ذلك وذاك. تصاعد الخلاف حتى قبضت السواعد على العصي وكانت الحرب من جديد. أصبحت ماهية الحكيم هي عين الخلاف ولم يعد يذكر الذئب بخير أم شر.

عمت الفوضى من جديد فمل العامة الجهاد ليصبحوا مهيئين لأي حل. انتفض أهل الفكر منهم لإعادة الدين إلى سابق عهده الزاهر. تبحروا في كتب وتفاسير المتقدمين فدعا بعضهم إلى بساطة ليلى وبعض إلى حيوانية الذئب وآخرون لتحقيق أصل الرواية وثلة دعوا إلى حكمة الجدة. كان أحكمهم يرى نفي الرواية واعتناق بساطة جديهم الباكيين على الشاطئ. جودل ثم أوذي ثم نفي. لجأ إلى الجنوب عبدة صندوق الرواية البسطاء الذين كانوا بمعزل عن الخلاف العقائدي المتكلف. استقبلوه بترحاب لأنه من الأم الشمالية المتقدمة فذاع صيته وآمن به قادتهم فتبعهم عامتهم. استمر أغلب الشمال في خلافهم وتوحد الجنوب بإيمانهم. قوي الجنوب فأصبح لزام عليهم أن يخضعوا الكفار لدينهم المنتقى.

سادوهم وأخضعوهم ودرسوهم وسنوا لهم سنن الحياة. كبرت مملكتهم وتحتم عليهم تجزأت مناطق حكمهم. تنافس امراء الممالك على التقدم والعلم. انفرد ملك بسنن صارمة واعتنق آخر حرية العامة وكان ثالث يرى أن فرصته تنمو بسنن مخالفة حتى يتميز عن أخوته. تسابق علماء كل مملكة بتفاسير عقيدة هي الأسلم لدعم السلم أو الحرب، كلن حسب الحاجة. كانت الردود على المخالفين هي الخلاف ثم أصبحت هي العقيدة من جديد.


السبت، 28 أغسطس 2010

الاستعباد التاريخي




يقول صاحب قصة الحضارة "ويل ديورانت" أنه في المجتمعات البدائية الأولى، لم يكن هناك فرق جسدي بين المرأة والرجل.فقد كان الجنسين يقومان بنفس الأعمال التي تتطلب قوى عضلية من دون تمايز. إلى أن تمكن أحد الجنسين "الرجل" من السيطرة على الجنس الآخر "الذي سمي المرأة" على مدد طويلة من الزمان والعصور ليغدوا هذا الجنس أقل تهيئة عضلية عن الجنس المسيطر بسبب اقتصار الأعمال المتطلبة للرجل فأصبح الجنس الآخر ناعماً كما يدلع الآن.


كما يرى أن الجنس كان مشاعاً كحرية شخصية لكلا الجنسين. ولكن الجنس المسيطر نجح باستمرار في الحد من هذه الحرية وقصرها لنفسه باختراع الزواج الذي يحرم الآخر من هذه الحرية ليوقفها على نفسه من خلال إتخاذ العشيقات ومن ثم التعدد عند تطور الدورة المدنية ليكون هذا الحق مقننا ومقدساً. فكان اللباس للمرأة أولا ومن ثم للرجل ليتطور حتى حجبت النساء في اغلب المجتمعات كل حسب تسارع تطور تفكيره. وعند استمرار نضوج الدورة الفكرية انقلب السحر على الساحر وطال الحظر الجنس السيطر مع ضعف سيطرته لإعادة توازن فرق السيطرة الذي هو في الأصل خلل ولو طال العهد به.

ولما كانت الشرائع والأديان تحاول إصلاح الإنسان على قدر ما يمكنها إستيعابه، لم تستبعد نسبية المنطق في سننها فأخذت على عاتقها تحرير ما يمكن تحريه من حرية الجنس الناعم. وكمثال، جاءت المسيحية لتحد من حرية الرجل الجنسية بمنع التعدد وجاء الإسلام ليحد من طغيان الإستعباد الجنسي بفرض حقوق المرأة المالية في الميراث ومن الجنس خارج إطار الزوجية.

لكن الجنس المسيطر دأب على إسترجاع بعض حقوقه المسلوبة بقوة الدين والفكر ليحاول عكس التيار السلبي لسيطرته بفرض قيود وتشريعات تعيد بعض السيطرة من خلال إستراتيجيات مثل الحدود الإجتماعية وكلُ حسب إستطاعته التي فرضتها الدورة المدنية عليه.

ويختتم "ويل" فكره بأن دورة المدنية لا بد وأن تعيد التوازن المفقود من خلال الحرية المطلقة لتستعيد المرأة حقوقها المسلوبة بالمساواة مع الرجل في جميع أوجه الحياة.

قد لا يبدوا هذا التحليل منطقياًُ ومخالفاً لفطرتنا لأننا ومنذ مولدنا أخذنا هذه المعادلة على أنها من المسلمات ومن الصعب تخيل إعادة التوازن لأنها لا تتوازن مع نسبية منطقنا. النسبية التي كانت ولازالت الأداة الطاغية على فهمنا لمجمل الحياة.. فلولا النسبية لما كان هناك زمن.. ولولاها لما كان مكان ومنطق وأبعاد ومشاعر ونظرة وفكر.

لنصل لمثل هذا الفكر يتعين علينا التجرد من النسبية إلى أبعد مما يستطيع فكرنا النسبي المحدود تصدقيه. ليحكم أكثرنا على هذه النظرية بالهراء لأنها لا تتوافق مع مسلماتنا الموروثة.

الاثنين، 2 أغسطس 2010

عندما يبوح الصمت بما أوجده...

يكون الصمت ردا عندما لا تجد الرد الأمثل...
يكون الصمت الخيار عندما لا تجد غيره حلاً...
يكاد الصمت ينطق حينما لا يفيد الكلام...
فكلما حاورنا الكثرة ظهر الصمت في أخر دورة فكرية قبل الجملة المعبرة...

فهل الأنسب شرح طبيعة البشر من نزوات وشهوات وإمكانيات عقلية ومدخلات تعليمية وإجتماعية وأحداث ماضية متراكمة لمن يؤمن بنظرية المؤامرة كدستور للحياة..؟ أم الصمت حكمة؟؟

وهل توضيح أن الإنسان هو كل ما أوجدته الظروف المحيطة وقواه العقلية لكل من ينقد الآخر المختلف معه؟؟ أم في الحكمة الصمت..؟؟

أم إسهاب الشرح لدورة الحياة المدنية مناسب لمن يهاجم تقدم أمته البطيئ مقابل الأمم المتقدمة أمامها..؟؟ أم جواب الصمت يكون هو الحل أولا وأخيراً..؟؟

وهل سرد تاريخ إستغلال الأديان في الأمم الماضية والمعاصرة سيوف يفضي إلى فهم كنفوشوسينا بأن الدين كان يستخدم ولازال كمطية لخدمة شهوات خفية حتى على صاحبها..؟؟ أم الصمت حكمة؟؟ أم في الحكمة الصمت..؟؟

ولو رددنا على الكثرة التي تؤمن بتسبب قصور المؤسساتية في كل تخلفنا بأننا من نكون هذه المؤسسة.. هل يجزي جواباً.؟؟ أم تكون حالة عدم النطق تجزي عن عدم الصمت..؟؟

وهل إيضاح مراحل تكون فكر أصنامنا يغير رأي الكثرة فيهم..؟؟ أم الصمت بحكمة الصمت أكثر بلاغة..؟؟

لازال يطغي على مجتمعنا فكرة الكثرة البدائي.. فأصبحنا مجتمع بهوية سطحية فكرها هو نتاج ردود أفعال عاطفية..!!

أليس كذلك؟؟ أم الصمت إجابة كافية في حالتنا...؟؟؟

السبت، 31 يوليو 2010

صمت الحكمة... أم حكمة الصمت..!؟؟

المتأمل لتاريخ الحكماء, يجد دوماً الصمت أسمى أدواتهم.. فعندما يغوص الحكيم في ترددات وتوابع ردوده المحتملة يستنتج غالباً أن الصمت أغلى أرقى ما يمكنه إستخدامه..

عندما يستعرض الحكيم خيارات ردوده، يصطدم بعمق الفجوة بين مستوى تفكيره وتفكير الشخص المقابل... فيفضل الصمت على المساجلة غير المجدية في نظره.. يحاول التقريب، فيتيه بين سطحية الرد الأنسب وإحتمالية عدم فهم الآخر للرد المراد.. فيفضل الصمت من جديد.. فهل الصمت حكمة،، أم الحكمة في الصمت!!؟؟

سؤال حير الفلاسفة فإختار الأغلب الصمت وعندما نطق القلة لم يفهم الكثير المراد.. فهكذا "تكلم زادشت" نتيشه وهكذا عرض "لا منتمي" كولن ولسون... فلا فهم أغلب المتلقين ولا رضي الحكيم بما أنتجت بنات فكره...

قلة قليلة إستطاعوا حل المعضلة فأصبحوا أنبياء... أو كادوا.. أوصلوا الحكمة بأبسط صورها... سطحية ولكن بمعنى عميق خفي.. مفاتيحه عند غيرهم من الحكماء.. أو يكادون... تعاليم وحكم يفهم الكثرة معناها السطحي ليصلوا بتطبيقها إلى نفس نتائج ما قد يفهمه الحكماء منها..

وهل الحكماء الذين لم يصلوا للكثرة كانوا عاجزين أم كسولين أم متكبرين!!؟؟ وهل إصطناع الصمت يولد الحكمة أم هو حكمة بحد ذاته!!؟؟

أسئلة تجول بخاطري لم اجد لها إجابة....
فآثرت الصمت ما أمكنني..

السبت، 26 يونيو 2010

إكتتاب.... ساهر

في إطار سعي الحكومة الدائم في توزيع المداخيل الرئيسية للدولة على الشعب بصفة عادلة, وكما هو الحال في الفرض على الشركات الحاصلة على تخصيص للغاز الطبيعي أو المنتجات النفطية المخفضة طرح أسهم الشركة للإكتتاب. تسعى إدارة المرور حالياً لتسريع تحويل نظام ساهر إلى شركة مساهمة وطرحها للإكتتاب العام.

فقد صرح مصدر مسئول في إدارة المرور, بأن مداخيل نظام ساهر تفوق مبيعات أغلب الشركات المساهمة المتداولة في سوق الأسهم السعودية. وبما أن مبالغ المخالفات تأتي أصلاً من حوالي 20% من قائدي المركبات غير الملتزمين بالأنظمة المرورية وعلى حساب 80% من القائدين الملتزمين بالنظام, فمن العدل توزيع هذه الدخول على الجميع بفرص متساوية من خلال إكتتاب عام لجميع الشعب السعودي حيث أنهم هم المخالفون والمتضررون في الأصل. وهو ما سيزيد من تعاون الجميع في تقبل النظام والمساعدة في تطبيقه. واضاف أن الدولة تثبت بذلك أنها لم تضع هذه المخالفات الرادعة إلا لفرض الأنظمة المرورية من أجل قيادة آمنة وليس كما يشاع أنها مصدر دخل آخر للدولة. واشار أن جميع الظروف مواتية لإكمال الطرح خلال الربع الرابع من هذا العام حسب المخطط.

وقد علق المتحدث الرسمي لهيئة سوق المال, أن طرح ساهر سيأخذ الأولوية عند إستكمال مستلزمات الطرح حيث أنه يمس أكبر شريحة من الشعب السعودي. لذا سوف يستثنى من طوابير الشركات الراغبة للطرح الأولي.

وعند سؤالنا لأحد أعضاء جمعية الإقتصاد السعودية عن الكيفية العادلة لحساب قيمة الأسهم, أجاب أنه في الحالات المماثلة, يجب أن تقوم ثلاث شركات مختلفة بتقييم أصول النظام بسعر السوق الحالي وليس حسب فواتير الشراء ومن ثم تقسيمها على القيمة الإسمية لشركات الطرح الأولي (10 ريال) وطرح 100% للإكتتاب وذلك لتحويل النظام لمؤسسة مدنية قابلة للربح والخسارة والنقد وتطوير الأداء. كم توقع أن تقوم الشركة بتوزيع أرباح كبيرة خلال الأعوام الأولى تتنازل بشكل حاد مع إلتزام الجميع بالأنظمة وهنا يكون الجميع قد ربح من الإستثمار كما ربح فرص أكبر للنجاة خلال قيادتنا اليومية.

ويجدر الإشارة أن المملكة تعاني أزمة حقيقة في تطبيق وإحترام أنظمة المرور, حيث تعتبر الحوادث المرورية هي القاتل الأول للشعب السعودي كما تحذر كثير من السفارات الأجنبية رعاياها من أن مصدر الخطر الأكبر عند زيارة المملكة هي قيادة المركبات باعتبارها مخاطرة غير محمودة النتائج.

هنا فقط إستفقت من هذا الحلم المزعج تلبيةً لنداء الطبيعة وبسبب الإكثار من شرب الشاي الأخضر قبل النوم...

السبت، 5 يونيو 2010

الواقعية كأسلوب نعيشه ونستفتيه..

الواقعية في نظري, هي الحكم على موقف معين من خلال أعمق تجرد من خلفيتنا الثقافية والإجتماعية ومن ثم عواطفنا مما يوصلنا لحكم أقرب ما يكون إلى الحقيقة الصرفة القابلة للتطبيق. ومن خلال إحتكاكي بالشعوب الأخرى, وجدت أنها من أهم ما ينقصنا عند إستعراضنا لمشاكلنا الإجتماعية والفكرية وبالتالي الحكم الناجع لحلولها.

فغالباً ما تطغي عواطفنا على عقولنا, فنصاب بالإحباط لبعدنا عن حقيقة الواقع وبالتالي نصل إلى أحكام غير منطقية أو غير قابلة للتطبيق أو بمطابقة لا تحل المشكلة الأساسية.

وعند إستعراضنا للمشاكل الأخيرة التي حصلت بالمملكة, نجد تيار العواطف هي المسيطر على أحكامنا مما جرفنا إلى استنتاجات غير منطقية والذي أشعرنا أو زاد من شعورنا بالإحباط في كل مرة يتطلب منا الحكم وإيجاد حلول هذه المعضلة.

ولنأخذ مأساة جدة الأخيرة كمثال, فقد تمحورت إستنتاجاتنا حول الفساد الشخصي لأعيان المسئولين, وإن كنت لا أنفيه, غاضين الطرف عن المصدر الرئيسي في الخطأ وهو عدم نضوج الأنظمة خلال فترة نشوءها لقصر العمر الزمني النسبي والذي سمح بفساد بعض الأشخاص الذين كانوا في موقع المسئولية. فكانت أحكامنا قاصرة لعدم واقعتيها أو واقعية حلولنا المقترحة بضحالة لا تتعدى محاكمة شخوص أتوا ورحلوا لن تحل معاقبتهم أساس المشكلة.

يتجلى لنا ذلك عندما تلت مأساة جدة مصيبة الرياض. فلم نستطيع تطبيق نفس معايير الحكم السابق لعدم أهليته في حل المشكلة السابقة. فضاعت حكمتنا في إيجاد حلول مشابهة بل وإنقلب أكثرنا على بعضهم في المجادلة على عدم كيل الإتهامات على شخوص رياضية معينة كما كان التشخيص في جدة.

ولو نظرنا بواقعية, فالمملكة دولة مترامية الأطراف نشأت من أقل من خمسين عاماً بشعب خيم عليه الجهل والعامية لقرون طويلة مع تدفق ثروة تشغل العاقل قبل السفيه. ولكي نصل لما وصل له متقدمي العالم الحالي, لا بد من تراكم حضاري على مدى زمني يفوق بكثير ما اتسع لنا حتى الآن. ولا بد لنا من المرور على مراحل النضوج من دون تخطي فهي كالعمر لسنا ببالغيه حتى تنقضي مدته.

بواقعية, مأساة جدة ومصيبة الرياض, نتائج حتمية لتدرج المدنية مرت بأمثالها جميع الحضارات السابقة قبل أن تصل إلى وصلت إليه الآن ولكنها في رأيي نقطة قد تكون مفصلية في الإنتقال إلى مرحلة أكثر نضوجاً من خلال سعينا المتواصل في اللحاق بمسيرة المدنية المتسارعة.

الجمعة، 19 فبراير 2010

فنتازيا بيروت.. من على رصيف السوليدير


بيروت ... هذه المدينة الأجمل بين المدن العربية.. ساحرة جيل السبعينات العربي وملهمة المثقفين منه.. عانت الكثير من الويلات بسبب انفتاحها في عالم الإنغلاق فكانت متنفس مكبوتي العالم العربي عموماًِ ومواطني الخليج خصوصاً.

الكثير من الصفات يميز لبنان عن باقي الدول العربية.. أرض حضارات ممتدة ومتتالية، ثقافة شعبها المختلطة، جمال طبيعتها الساحرة، خصوصية شمولها للأعراق والأديان والمذاهب المختلفة، قربها من العدو المشترك، تقدمها الثقافي خلال الجيلين الماضيين والأهم هو اجتماع كل ذلك في كينونة أفرزت التميز بنقاء كنقاء طبيعتها..

المتأمل في بيروت يرى بوضوح تميزها. فتعامل غالبية أهلها الحضاري النسبي يدهش المتجرد حتي يصعب عليه إلصاق صفة العروبة بها. كما أن مغتربيها وزياراتهم السياحية الخاطفة يعكس بعض من جوانب إفرازات تاريخها المعاصر.

زيارتي العائلية السريعة لبيروت أثارت عواصف فكري لحد الإجهاد، فلم أستطع لملمت جميع هذه المتناقضات في شخصية متفردة يمكنني أن أطلقها على بيروت وناسها.. زرت حاضرتها ومعالمها وجبالها وسهولها وتحاورت مع مختلف طبقاتها فكانت الإيجابية طاغية في أغلب الإستنتاجات لم يشوبها إلا باعة السوليدير ورواده..

فالسوليدير ساحة دائرية تحفها المطاعم والمقاهي والقليل من المحلات وفي منتصفها نصب في أعلاه ساعة رولكس يطوف بها السياح العرب وخصوصاً أباعر الخليج متوشحين أغرب الهندام مستعرضين في الجمع بين أغلى الماركات العالمية، من فئة نار الله الموقدة.

ولهؤلاء الرواد طقوس لا يحيدون عنها كل ليلة منذ نزولهم حرم السوليدير حتى انقضاء عمرتهم. حيث يتم النزول من السيارات الفارهة عند المدخل الرئيسي مع مراعاة عدم الإلتفات أو النظر لمن ينتظرون سياراتهم ثم السعي من خلال الممر الرئيسي الذي يحوي مطاعم النصب المحترمة ومن ثم إلقاء نظرة من خلال الإلتفاتة بكامل الجذع (وليس بالرقبة فقط) وكأنهم متعطرين بالنشاء الخاص بالملابس.. وبعد ذلك نزول الساحة لأداء طواف القدوم بعدد يزيد حسب الأجر المرجو لجس نبض المتواجدين والإعلان عن القدوم.. ومن ثم الإتجاه إلى نفس الطاولة الذي يجلسون عليها كل ليلة مباركة. ويراعى خلال الجلوس عدم الكلام إلا بما قل ودل ثم إكمال الخشوع على الأجهزة الجوالة من خلال التحديث المستمر للبحث عن أجهزة بلوتوث جديدة في المدى. وبالأخير طواف الوداع في الساحة معلنين إنتهاء حضورهم الشريف ليقفلوا البلوتوث ويتجهون إلى المدخل الرئيسي منتظرين سيارتهم الخاصة رامقين الآتين الجدد كما رمقوا من قبل..

أما زوار السوليدير أمثالنا، فلا نصيب لهم من المقاهي إلا الطاولات الداخلية المقابلة للحيطان أو رصيف ساحة السوليدير المباركة لأن الحصول على طاولة مطلة على الحرم يتطلب صبراً وجلداً وجهاداً لا نعرفه ولا نطيقه لو عرفناه.. لذا كان الرصيف الخيار الأنسب والأقل تكلفة وبحقيقةٍ الأمتع لمشاهدة "المزاين" ومن ثم حمد الله على نعمة العقل التي من بها علينا...

هناك سؤال وحيد لازال يحيرني... كيف يمكننا اللبس بطريقة تميزنا حتى ولو لبسنا نفس الماركات والألوان الذي يلبسها باقي البشر وإن حلقنا حواجبنا ورفعنا تسريحة أعرافنا؟؟