الأربعاء، 26 يناير 2011

العصر الأخونجي.. عهد جديد أم خطر قادم..؟؟

منذ نشأتهم، تميز تنظيم الإخوان المسلمين بمرونة الأساسات الرئيسية وطول النفس. فتجدهم يتشكلون إسلامياً حسب اعتقاد عامة البلد.. فتغلب عليهم النسخة السلفية في أغلب مناطق الخليج العربي والأردن وغزة. أما النسخة الصوفية المخففة فتظهر ملامحها في الشمال الأفريقي وتركيا وسوريا. لكنهم في الحقيقة كتلة متماسكة تدعم بعضها بعضاً للوصول لأهداف محددة موضوعة منذ زمن قديم قدم القرن الفائت. أقوى أسلحة هذا التنظيم هو سرية الدعوة بما لا يضر بخدمة مصالحها. فتجد أن أغلب العامة قد كانوا أو مازالوا مجندين بعلم أحياناً قليلة وبلا علم أو وعي في الأحيان المتبقية. حتى أن بعض من يساهم بنسبة من دخله الخاص بانتظام، قد لا يعلم ولسنوات أنه جزء في تنظيم سياسي بصبغة دينية يسمى مجازاً "الإخوان المسلمين"..

الأداة الثانية الأساسية المستخدمة هي السيطرة على الرأي العام من خلال الإعلام الفردي. فرؤوس حربة التنظيم هم أشخاص موهوبون ذوي قبول جماهيري بصبغة دينية لا يختلف عليهم كثير من العامة.. وهم مختارين بعناية منذ الصغر وقبل أي بروز شعبي ثم مدعومين من قبل رجالات التنظيم حتى برزوا ليبقوا مخلصين له. والأهم من ذلك، الحرص بأن لا يصرح هذا الإعلامي بالانتماء، بل وبالنفي القاطع كلما ادعت الحاجة، حتى يمكن دعم التنظيم من غير ربط الأهداف السياسية للتنظيم في الدعوة المجردة المخلصة للعالم الموهوب. وبذلك يتم خدمة الأهداف من دون وعي لأغلب العامة. نتاج ذلك أن أغلب الآراء الرئيسية المتكونة لدينا هي انعكاس لفكر الأخوان الخادمة لأهدافهم. فنظرتنا السائدة حول القضية الفلسطينية وحول الغرب والحكومات العربية وبل حتى المقدرات الذاتية والسادية الفكرية مستوحاة من فكر يخدم مصالح حزب لا مصالح أمة مجردة. وللأمانة ليس كل هذه الرؤى خاطئة بل أقرب للصواب في أحياناً لا بأس بها، ولكن النوايا في الغالب كانت لخدمة قلة من كثرة إذا ما تعارضت المصالح.

إلى هنا والتنظيم ناجع ومتقدم بمراحل على المستوى الفكري في الشعوب العربية. ولكن تكمن المشكلة الحقيقية للتنظيم في قوة تنظيم الوصول إلى الهدف وهو السلطة، ولكن عدم وجود فكر عملي لإدارة السلطة بالشكل الصحيح الذي يرقى بالأمم التي تحكمها. الإخوان وصلوا للسلطة في السودان ثم غزة وتركيا والآن يبدوا أن تونس بالطريق الأخونجي. ولو أخذنا هذا الحالات كأمثلة، نجد أن الوصول للسلطة في السودان الأسهل نسبياً لتناغم فكر النسخة الإسلامية للشعب. ولكن ومنذ استلام السيد الموهوب البشير للسلطة لم تتقدم السودان بالقدر الذي وعدنا به. فلم يكن التنظيم الإداري أو السياسي بقدر ما كان عليه التنظيم الحزبي. ولكن رجالات إعلام الحزب دأبوا على دعم الحكومة كما نرى في تبريرات عدم تقدم السودان مدنياً بتربص جحافل الغرب الكافر بدولة إسلامية ناشئة. ومثالاً لتغلل الفكر الأخونجي، نجد أكثرنا مقتنعين بأن السودان مستهدف من قبل الكفرة والزنادقة حتى لا تقوم شوكة الإسلام والمسلمين أو بسبب موارده النفطية التي تبلغ أكثر من نصف ربع ثمن أحد ثاني أصغر آبار الخليج. عندما نمعن التفكير، نجد أن كثير من مسلماتنا حول علاقاتنا مع الأخريين مبنية على أساس الفكر الأخواني وأنها لم تكن أراء شخصية صرفة.

لدى التنظيم قدرة عجيبة على التشكل. فنجد تغير مسلمات أعلامهم حسب مصالح خدمة الحزب وأهدافه حتى لو كان حرام في فترة ومباح زلال في فترات لاحقة. حتى النسخة الإسلامية لواجهة الحزب يمكن أن تتغير أو تتشكل حسب الوضع. فقد بدؤوا بالدعوة للجهاد بأفغانستان و ساهموا في تجيش الشباب. ثم أصبحوا يدعون لنبذ العنف والجهاد، بل من أعداء الفكر الجهادي الانتحاري. دخلوا مع اليمن الشمالي في حربها مع الجنوب وجيروا نجاحات جنود مستقلين لخدمة مصالح الحزب. ثار التونسيون على الغلاء والقمع والفقر وللحرية، والآن يتكلم معارضيهم باسم الشعب..!! ولن يقبلوا أي حكومة حتى يسيروها. سياسيا قد يكون هذا من أبسط حقوقهم كحزب، ولكن هل الأجدى أن يعترفوا بالحزبية قبل أن يطمحوا لمراكز الزعامة حتى يعلم العامة أهداف معلنة لهذه الخاصة. أم هذا من حقهم أيضاً..؟

بدخول سلطة تركيا ضمن منظومة الأخوان، قوي التأثير السياسي وأصبح له تأثير حقيقي ورأي يمكن سماعه سياسياً. وبدأ التفكير بتدويل الفكر يعود إلى السطح بعد عشرات من السنين القمعية للتنظيم من قبل الحكومات القومية المتسلطة. فقلت سرية إعلام الإخوان وبدؤوا يطفون على سطح الساحة السياسية. وكانت وقفة الموهوبين الأتراك مع غزة المحاصرة وقفة أسود. وكان البكاء على أطفال غزة بنحيب يعانق السماء ويبكي الرجال قبل نسائهم.. ولكن ما هو السبب الحقيقي خلف ذلك..؟ ولماذا الوقفة مع حماس بهذه الشدة دون عداهم..؟ هنا نعود لخدمة أولوية مصالح الحزب أو المجتمع.

قد تكون المعركة الأرضية القادمة، وهم أم معارك الأخوان، في مصر. فمصر مهد الحزب وفيها أكبر أعدائه. ولثقل مصر السياسي في العالم العربي، ستواجه جميع الأنظمة العربية الأخرى، غير الإخوانجية، مصاعب إذا ما تمكن الإخوان من مصر. المرشحة البعيدة هي سوريا.. ولكن المعركة هناك لن تكون بيضاء والله أعلم. المغرب، الجزائر، الأردن لازال الموقف بها غامضاً ولكن سيكون شديد التأثر بمن حوله.. في الخليج الوضع أكثر تعقيداً.. تشابك التيارات الدينية وتداخلها عقد المنهجية الإخوانجية وجعلها جزء من النظام والشعب على حد سواء.. فأصبحت ضبابية الرؤية السياسية للحركة تختلط حتى على متعاطيها..

في المحصلة، تنظيم الأخوان المسلمين راقي التنظيم في الإعداد والمنهجية وقوي القاعدة جماهيراً ومؤثر إعلامياً وقليل اللجوء للعنف، فهم بالغالب مسالمين ويؤمنون بالحوار ما أمكن. ولكنهم بالمقابل لم يقدموا نموذجا ناجحاً في إدارة الحكومة أو التقدم بمدنية الشعوب التي حصلت لهم الفرصة لإدارتها. كما أن في منهجيتهم كثير من الباطنية، فأهدافهم وشخصياتهم وقياداتهم غير واضحة الملامح للعامة. أما أوليات الإخلاص والمصلحة فهي أكبر مآخذي شخصياً عليهم..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق